دستور نيوز

عمان – غزت الذكريات بكل محتوياتها مخيلة لانا عمر الخمسينية، عندما زارت منزل جدها القديم «العقدة» بعد سنوات من الغربة، وانهمرت دموعها وهي تنظر إلى تلك الزوايا حيث عاشت ذكريات الطفولة والشباب بين عائلتها الكبيرة، فعادت مرة أخرى لتكرر الزيارة. كل ما هو قديم، على أمل إعادة «الذكريات الجميلة». وأضاف إعلان: “الأماكن القديمة لها روائح تؤدي إلى فتح باب الذكريات على مصراعيه”. وهذه القاعدة يتبعها الكثيرون في حياتهم اليومية، حيث يتعمدون زيارة الشوارع والمباني والأحياء القديمة التي لا تزال محافظة من وقت لآخر. على كيانه وطبيعته، وذلك بهدف التخلص من ضغوط الحياة اليومية المتسارعة التي تتطلب الكثير من الكماليات والتي يخرج فيها الإنسان عن طبيعته ويحتاج إلى الكثير من التكلف، سواء على شكل “ الجلوس أو الأكل أو حتى المحادثة المنظمة. تقول لانا إنها تبحث كثيراً عن تلك الأماكن التي تحمل طابع البساطة بكل تفاصيلها، سواء كانت بيوتاً قديمة أو ديكورات أو مطاعم أو أماكن تجمعات عائلية، فهي تراها فرصة للابتعاد عن الحياة التي نعيشها عش الآن. كمغتربة في أوروبا، تشعر دائمًا بالحنين إلى الأيام الخوالي التي عاشتها مع عائلتها في إحدى قرى الجنوب. ولذلك فإن زيارة تلك الأماكن والجلوس فيها لا يعني الترفيه بالنسبة لها فحسب، بل “يتنفس الكثير من الطاقة الإيجابية التي تحتاجها بين الحين والآخر”. وربما يكون الكثير من «الاتجاهات» التي تظهر بشكل متكرر على مواقع التواصل الاجتماعي، حول الأماكن القديمة وشوارعها وأحيائها، ورائحة المخابز التي تفوح منها، وتصويرها بطريقة مميزة تظهر مدى جمالها. هذا المكان ولمس رائحة الماضي فيه، هو ما جعل الكثير من الناس يحاولون الوصول إليه. هذه المواقع والجلوس فيها والتصوير أيضاً ساهم في زيادة الإقبال عليها من الزوار من داخل المملكة وخارجها. كما دفع هذا الطلب العديد من المحلات التجارية إلى اتباع أسلوب تقليدي في عرض المنتجات والديكور بأسلوب قديم جداً، كما هو الحال في المطاعم في المناطق التراثية أو الأحياء والمدن ذات الطابع التراثي، لتكون جزءاً من هذا النهج تتبعه مقاعد هادئة وبسيطة ، كما أن منتجاتها قريبة من نفس الطابع، من الطعام، إلى أنها أصبحت من أكثر الأماكن زيارة في المملكة الآن. تظهر إحدى الدراسات النفسية المتعلقة بالأماكن أن “زيارة الأماكن التي تحدث فيها الذكريات، أو العودة إلى المنزل القديم مرة أخرى، قد تعطينا علامات كبيرة على استعادة واسترجاع الذكريات الشخصية، وهذا من شأنه أن يساعد الإنسان على تنشيط ذاكرته التي تعمل بهدوء في مثل هذه الأماكن وتجديد الأفكار. مع التقدم في السن، يصبح الإنسان أكثر اعتماداً على المؤشرات الخارجية، مثل الأصوات أو الصور، لاسترجاع الذكريات، بحسب ما تظهره الدراسة المتعلقة بـ”أهمية استرجاع الذكريات”. الابتعاد عن التفاصيل الحديثة والانفعالات والشعور بالهدوء والطمأنينة في مثل هذه الأماكن له آثار كبيرة، وهنا يوضح المستشار النفسي والتربوي الدكتور موسى مطرنة أن التغيرات والتطور في الحياة “نمط لا مفر منه في حياتي”. وقد يختلف التغيير والتطوير في أنماطه وطبيعة المتطلبات من جيل إلى جيل. وأخرى، لكن الحنين إلى الماضي يبقى حاضرا، خاصة بين الأجيال التي نشأت في بيئة معينة. ويرى الأساقفة أن من يزور هذه الأماكن القديمة البسيطة يصبح أكثر قدرة على تذكر تلك الأوقات ببساطتها وعفويتها، وهو ما يشكل تأثيراً لحالة من الإيجابية والفرح الداخلي، وعنصر جذب إلى الماضي، في ضوء من كل هذه التعقيدات في هذا الوقت من التطور والنمو السريع، ونحن جميعا نعرف. كانت الحياة في الماضي تقوم على الحب والبساطة والدفء، وكان المجتمع منتجاً وليس مستهلكاً فقط، وكان يشمل أشكالاً عديدة من التكافل الاجتماعي والتواصل بين الناس. ومع التطور الذي شهده العالم، أصبح المجتمع يتفاعل مع كل هذه التطورات والثقافات المختلفة، وأصبحنا نعيش حالة من التباين، كما يرى الأساقفة، وقد بدأ المجتمع يضم أعراقاً ذات ثقافات مختلفة، والبحث عن لقد أصبحت المحافظة على الكماليات واعتمادها باعتبارها “ضروريات” جزءاً من الثقافة السائدة في المجتمع. حتى تحول فعلياً إلى مستهلك بشكل كبير، حيث سبق للفرد أن حصل على المعرفة من البيئة والأسلوب والتنشئة والعادات الاجتماعية، إلا أن العالم الافتراضي والإنترنت أصبح مصدر المعرفة والثقافة، وكل هذا أحدثت تغييراً في طباع الناس وتفكيرهم، وزادت من التعقيد المجتمعي. ومن ثم، مع مرور الزمن، أصبح الناس يحنون إلى الأيام الماضية والأماكن والبساطة التي كانوا فيها، وبدأوا يتمنون العودة إلى تلك الفترة، فيما يوضح الأساقفة أن الهجرة من القرية إلى المدينة والخروج منها مساحة واسعة، وأرض واسعة، وبساطة، وحياة تكاليفها أسهل، لم تكن سهلة. خاصة مع دوامة القلق والتوتر، وأصبح الحنين للماضي متنفسا لهم. لذلك العودة هي البحث عن الأماكن التي تذكر بحياة سابقة وكل شيء قديم له معنى ومكانة، لأنه يخفف من أعباء الحياة ويعزز الشعور بالراحة النفسية بالابتعاد عن مجمع المدينة. من جانبه، قال خبير التراث الأردني نايف النوايسة إن حنين الإنسان إلى الماضي لم يتوقف منذ بداية الخليقة، لأن دورات الزمن في الحياة مرتبطة ارتباطا وثيقا ولا ترتخي أبدا، وتطورها يحدث في تدفق محكم ولا يشعر بها الإنسان إلا عندما يتعمد مراقبتها ويدرك حجم التحولات التي يقوم بها. في عملية الزمن. وبحسب النوايسة، فإن حلقة الماضي في عصرنا هي الأطول، وهي حلقة مرئية بشعبها وأحداثها وأدواتها وإنجازاتها، والتي تشكل مع مرور الوقت تراثاً متعدد الأوجه “تراثاً ثقافياً غير مادي و التراث المادي.” وأبواب هذا التراث كثيرة جداً، ويمكن ترميم وإنتاج بعض جوانب التراث. وفقاً لآخر تطورات العصر مع الحفاظ على تراثه. ولا يتردد الناس في العودة إلى تراثهم المادي وغير المادي، بحسب النوايسة، لأنهم يرون فيه هويتهم الثقافية الوطنية، ونحن من هذه الشعوب التي تشتاق للتراث في الأغاني والعادات والتقاليد والممارسات الشعبية اليومية والأعراف. الأماكن القديمة التي تذكرنا بأجدادنا، ونسترجع من حياتنا معهم أجمل الذكريات التي نسميها اليوم الزمن. الجميل . أما الحلقة الحالية فهي لحظية وسريعة، ومنها نشير إلى الذاكرة تشكيلات تراثية عديدة. وبحسب النوايسة فإن المستقبل هو الحلم الذي نتواصل من خلاله ونتطلع إلى ما هو قادم بجدته وتطوره، لكن الماضي يبقى دائماً هو الأجمل في نفوس الناس، والذي يحمل الوجوه والملامح. للآباء والأجداد، وهذا الموضوع يؤكد أهمية البحث في فصول هويتنا الثقافية التراثية لأنها تحتوي على أصالتنا ومجد أمتنا. وعظمة إنسانيتنا.
الحنين لرائحة الأماكن القديمة.. عندما يهرب الإنسان من التكلف و…
– الدستور نيوز