دستور نيوز

إن التعرض للمعلومات المغلوطة أصبح أكبر مما نتصور، ولم يعد تأثيرها يتعلق بتغيير أفكار الناس ومواقفهم تجاه موضوع معين، بل وصل تأثيره إلى انتماء الناس لبلدانهم، وتغيير معتقداتهم تجاه مختلف القضايا التي تهمهم. منها، والوصول إلى الآثار السلبية التي تجبر الناس على إنفاق أموالهم في شراء سلع لا تخصهم. إنهم يحتاجون إليها، بل يصبحون عبيدًا لها – بكل معنى الكلمة -. إضافة إعلان في ظل انتشار المعلومات الرقمية، لم تعد مسألة المعلومات المغلوطة مقتصرة على مجموعة من الأشخاص، بل تطال كل إنسان مهما كان كبيرا أو صغيرا، والخطورة في الموضوع تكمن في وجود جهات والمنظمات والدول والأفراد الذين يؤثرون على ثقافة الناس واتجاهاتهم ومعتقداتهم بشكل سلبي، وقد ينعكس ذلك بشكل أو بآخر على انتماءات الناس وتوجهاتهم وإنتاجيتهم. ما سأناقشه هنا يتعلق ببعض الأساليب التربوية السائدة في مجتمعاتنا العربية والتي تساعد على نشر المعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة والوقوع في الخداع وتشجيع الاستهلاك غير المبرر الذي تحاول منصات التواصل الاجتماعي نشره في العالم من أجل بناء مجتمع نظام رأسمالي متطرف لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الدول النامية، أو احتياجات الناس الحقيقية. إن أول أسلوب تعليمي يساهم في جعل الفرد متلقيا طبيعيا للمعلومات المغلوطة ومتقبلا لكل ما يمليه عليه، هو التعليم المبني على التلقين البعيد عن مهارات التفكير النقدي، وتفحص ما يسمع، ومقارنته بالحقائق والحقائق، يسبر أعماقها. ويبدأ ذلك منذ الطفولة المبكرة، حيث تؤثر البيئة… حوار البيت والأسرة، والمناقشة مع الأسرة في كيفية اتخاذ القرارات، وانتقاد أي خبر تسمعه الأسرة بطريقة موضوعية، فتتأسس لدى الطفل القدرة على النقد. كل ما يسمعه، وينمو معه في مختلف مراحل حياته. هذه القدرة، وعكسها، تجعله مجرد منارة تميل حيث يميل الناس، فلا يملك قراره. ويصبح مجرد رقم بين الناس. النقد الموضوعي يعني عملية التقييم الذكي للأشياء والمواقف التي تتعرض لها الأسرة، بناءً على معطيات معينة، وشرح ذلك للطفل بلغته، بطريقة مبسطة. وبهذه الطريقة يبدأ عقل الطفل بالنمو في الاتجاه الصحيح. نحميه من المخادعين في صغره وكبره، ونبني بداخله ثقافة وقائية تقلل من حدوثه. في الخداع. وهنا لا بد من الإشارة إلى التحفيظ في المدارس، وطريقة تدريس الدروس، دون اللجوء إلى الأساليب الحديثة. وتساهم هذه الأساليب في خلق مواطنين قابلين بسهولة لكل كذبة أو إشاعة، ونعلم جيداً أن هناك جهوداً تبذل في العديد من الدول العربية لتغيير المناهج وتقليل الحفظ. أو التلقين، لكن ما يحدث على منصات التواصل الاجتماعي لا يعطينا مؤشرات إيجابية على تغيير في طريقة التعامل مع المحتوى المضلل. بل في المحطات التي يحدث فيها صراع بين مكونات المجتمعات، نرى أن العقلية النقدية غائبة، والناس في الغالب تسيطر عليهم غريزة القطيع. وهي تقوم على الاعتماد على القبلية والطائفية والمناطقية، والمشاركة في الصراعات بكافة أشكالها وأنواعها دون التفكير بعمق في من يقف وراءها. وقلما نجد في بعض المجتمعات من ينتبه لذلك ويطبق الحل الأمثل في مثل هذه الحالات وهو الابتعاد عن الفتنة واللجوء إلى القانون والخضوع التام. منطق الدولة بعيد كل البعد عن الهويات الفرعية القاتلة. إن التربية الأحادية التي لا تقبل الآخر، ولا تغرس في الطفل التمييز بين الرأي والحقيقة، تساهم في الضلال. كثير من الناس في مجتمعاتنا يربون أولادهم على الحقائق المطلقة، دون أن يأخذوا في الاعتبار أن هناك حقائق موجودة في الكون تم اكتسابها عبر الزمن، والدليل العلمي هو جوهرها وجوهرها. ومن ناحية أخرى، هناك نظريات وآراء غير مستقرة تتغير حسب المعطيات، وتأتي حسب الخلفية الثقافية والمعرفية والواقعية لكل شخص. بسبب التنشئة الأحادية، لا يملك الفرد في المجتمع القدرة على التمييز بين الأحداث التي تحدث له، ولهذا السبب فهو مؤهل بقوة ليصبح أسير المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، ولن يكون كذلك. قادر في أي لحظة على الوقوف في وجه العدوان الرقمي، بل سيكون أداة مطيعة في يد من يعمل ضد وطنه فهو مجرد تابع يسير مع التيار. هذه بعض الأخطاء التي نرتكبها في تربية أطفالنا، والتي تساهم في جعلهم أفرادًا أكثر تقبلاً للمعلومات الإعلامية المغلوطة في العصر الرقمي. ولا بد من تغيير أساليب التعليم القديمة للمساهمة في بناء إنسان قادر على التعامل مع العصر الرقمي بقوة، بعيداً عن الوقوع في فخاخ التضليل. فهو قادر على أن يكون مواطناً منتجاً، مستقلاً في أفكاره، وإلا فإنه سيكون جزءاً من حركة ضائعة كاسحة لا تعرف إلا كيف تكون جزءاً من خطة الآخرين.
كيف نحمي أطفالنا من المعلومات المغلوطة في العصر الرقمي؟…
– الدستور نيوز