دستور نيوز

عمان – أصدرت دار العيدون للنشر والتوزيع في عمان الأردن كتابا بعنوان “أصول الفن في أقوال العتاب”؛ بقلم أسعد يوسف عطا الله، وهو نسخة منقحة مشروحة من مجموعة هادي البروة الصادرة في عكا سنة 1930، وقد قدمها وتنقيحها وشرحها محمود كيال. إضافة إلى إعلان كيال: أهدى كيال الكتب “لكل من ظل يحمل حلم العودة إلى البروة”، وذكر أن البروة قرية فلسطينية. تم هجرها وتدميرها خلال حرب 1948. تقع في شمال فلسطين، على بعد 10.5 كيلومتر (6.5 ميل) شرق عكا، وهي تابعة لقضاء عكا. ويقول محمود كيال في مقدمة الكتاب: «لمع نجم أسعد عطا الله، قناص البروة، في سماء الزجل التقليدي في شمال فلسطين، باعتباره أحد أبرز صانعي الأحذية التقليديين في فترة الاستعمار البريطاني». تفويض. ولهذا يطلق عليه المهتمون بالأحذية الشعبية الفلسطينية اسم لبنان، وهو من كوكبة أشهر هؤلاء الأحذية». وكان من بينهم في تلك الفترة حسين خطاب من سخنين، وسعيد العلي من دير الأسد، وأحمد العمية من الطيرة قضاء حيفا. ولا عجب أن الهادي أحمد العمية عندما ضرب مثلاً جميلاً نظم أسماء وأوصاف أشهر الشعراء الشعبيين في ذلك الوقت، خص عطا. وفي بيتين أعرب فيهما عن إعجابه بشاعرنا وأناقته وقصائده العذبة التي تتكرر في الأعراس: “أسعد عطا الله/ما شاء الله/من البر/ عنه لابس حلة/مقاس/قصائده الحلوة/ في الأعراس.” ويشير كيال إلى أن عطا الله فنان شعبي أصيل وموهوب، ظل حاضرا في أذهان مستمعيه في الأعراس والمناسبات لفترة طويلة، لكنه رفض نشر أعماله في كتاب، ليصبح فنه أيضا متعة للقراء. وهكذا احتفظ للأجيال اللاحقة ببعض مميزات هذا الفن الأصيل في شمال فلسطين، إضافة إلى أنه أغنى المكتبة الأدبية الفلسطينية بإبداع فريد ونادر، قلما نجد مثله في فترة الانتداب البريطاني، مما يشير إلى أن براعة عطا الله وعظمة شعره أدت إلى انتشار شعره بين الناس، خاصة بين أهل البروة الذين ظلوا يحفظون بعض أبياته عن ظهر قلب. ورغم أنني لا أستطيع التأكد من دقة وصحة الأبيات المروية المنسوبة إلى عطا الله، إلا أنني أميل إلى الاعتماد على الذاكرة الشعبية في حفظ وتوثيق الزجل الشعبي، خاصة من قبل الأشخاص الذين عاصروا أبرز الشعراء والرواة الشعبيين. يقول كيال: “عندما درست تراث الشاعر عطا الله، ضمن اهتمامه بتاريخ وتراث قرية البروة، لم يبادر أحد من أهالي القرية إلى نشر ديوان عطا الله الشعري. ويعتقد أن السبب في ذلك هو أن الديوان الشعري ضاع واختفى مع غياب صاحبه في الشتات، ومع تشتته وشمل أهل القرية أثناء النكبة. ويجب ألا ننسى أن السلطات الإسرائيلية دمرت آلاف الكتب الفلسطينية بعد النكبة بهدف شل وتفتيت الحياة الثقافية الوطنية الفلسطينية. لكن مع التلميحات والإشارات والتأكيدات المتكررة حول وجود هذه المجموعة، عزمت على الوصول إليها. ومع ذلك، لم أجد ما كنت أبحث عنه. وهي مملوكة لأحد أهالي القرية، لكنها موجودة في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، التي لا تزال تحتفظ بنسخة واحدة منها، والتي يبدو أنها لم يطلع عليها إلا القليل. مع العلم أن اهتمام القراء والنقاد والباحثين الفلسطينيين بهذه المجموعة قد يجمع بين هدفين مهمين، نادراً ما يجتمعان في كتاب واحد. وهما: الحفاظ على التراث الشعبي الشفهي من جهة، والمكتبة الأدبية الفلسطينية قبل النكبة من جهة أخرى. ويضيف كيال: “بعد العثور على المجموعة، قمت بمراجعتها وتمحيصها بعناية، آملاً أن أطلع القارئ على محتوياتها ومزاياها، وسعياً من الباحثين المهتمين بالتراث إلى مزيد من الجهود في دراسة الزجل الشعبي الفلسطيني بشكل عام، والإرث. لهذا الشاعر بالذات تفحصت في البداية غلاف هذه المجموعة، حيث اتضح أن عنوانها الكامل هو “كتاب نشأ الفن في أقوال العتبة، وهو أول كتاب من مجموعات أسعد عطا الله من قرية البروة في عكا “فلسطين”” مما يدل على ثلاثة أمور: الأول أن المجموعة مخصصة في معظمها لفن العتبة في الزجل الشعبي. والثاني أن الشاعر كان يعتزم نشر ديوانه الثاني، بل وذهب في خاتمته ليؤكد أن الكتاب الثاني سيكون بعنوان “محيط الفن”. لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن المؤلف لم يتمكن من نشر كتابه الثاني، ليس فقط لأنه لم يتم العثور على كتاب بهذا الاسم، ولكن أيضًا لأنه لم يذكره. من قبل أي باحث أو ناقد. والثالث أن الشاعر يربط اسمه باسم قريته، مما يدل على مدى اعتزازه واعتزازه بها، وسعيه إلى إبراز اسم قريته البروة في كتاب الخلد، وطموحه. لوصول كتابه إلى قراء خارج فلسطين، مما اضطره لتوضيح موقع قريته. في قضاء عكا في فلسطين. ويوضح: «وجدت على غلاف الكتاب ديباجة باللغة الفصحى ذات طابع تسويقي، يبدو أنها تهدف إلى تشجيع القراء والمهتمين على شرائه، من خلال عرض سريع ومختصر لمحتوى المجموعة، والذي سيسلط الضوء على سيتم تفصيله لاحقاً، والتأكيد على أن الزجل الشعبي فيه متعة لكل من المستمع والقارئ. يقول فيه عطا الله: (هذا الكتاب فيه عتاب غزلي، أوصاف، عتاب أسعد الدهر، عتاب العشاق، تحليل قصيدة المرحوم السيد فؤاد حجازي، عتاب الجبورية، مدح وفراق. كل ذلك بكلمات رشيقة في هذا الفن يشتاق إلى سماعها وقراءتها كل من يرغب في أمور فنية، ويستمتع بها المستمع، وينعش القارئ قلبه.» وأضاف يزيد كيال: «على الرغم من أن هذه المجموعة نُشرت في مطبعة تجارية صغيرة، إلا أنها ويمكننا أن نعتبر هذا الإصدار عملاً رائداً، خاصة أننا لم نكن نجد في المكتبة الأدبية الفلسطينية في فترة الانتداب البريطاني أي مجموعات مطبوعة بالزجل الشعبي، إذ تميز هذا الزجل في الغالب بالشعر العامي الشفهي المرتجل. ونعتقد أن أهمية المجموعة لا تنبع فقط من احتفاظها بقصائد هذا الشاعر الموهوب الذي كاد أن يختفي من الذاكرة، بل أيضاً بسبب ريادتها وقيمتها التراثية والأدبية والفنية، خاصة أنها تعرفنا على بعض من المزايا الفنية والأسلوبية للفن الشعبي الفلسطيني، بالإضافة إلى أنه مصدر غني للتعرف على جوانب الحياة الاجتماعية المختلفة في قرية البروة خلال فترة الانتداب.” فيما يتعلق بلغة الديوان وأساليبه ومحتوياته ويقول كيال: «إن هذا الديوان يستحق دراسة متأنية ومستفيضة في لغته وأسلوبه ومضمونه، نظراً لأهميته وريادته وقيمته. ولكن سأحاول في هذه العجلة تسليط الضوء على أهم الظواهر والمزايا والجوانب التي تلفت الانتباه، آملاً أن أتمكن أنا أو غيري من الباحثين من التوسع. ومواصلة دراستها أو دراسة الظواهر والقضايا الأخرى في هذه المجموعة. وفي اعتقادي أنه لا يمكن إعطاء هذا الديوان حقه دون التوقف عند ثلاثة أمور مهمة، وهي: لغة الديوان ومستوياته، والأساليب التبشيرية التي اتبعها وارتباطها بالمضمون، وكيف شعر الشاعر يصور قريته البروة وأهلها. أما فيما يتعلق بلغة الديوان ومستوياتها فيمكن ملاحظة مدى ألفاظها، وتنوع مستوياتها اللغوية، وقدرة الشاعر على التلاعب بالدلالات والمعاني، خاصة عند استخدام الجناس. ويبدو أن صدور الديوان مطبوعاً جعل شاعرنا يقترب من العربية الفصحى، محاولاً قدر الإمكان أن يبهر القارئ والمستمع بقوة لغته ورصانتها، ولهذا السبب أغنى نصه بمفردات فصيحة، حتى الفصحى منها والعربية. كلمات غريبة، مثل: «بقلاي» (ص ٤) أي بقل، أي خليط من الدقيق والتمر وأشياء أخرى. أو الغنائم؛ و”أنادم” (ص6) يعني الأنهار السائلة. و”الأدب” (ص٢٢) يعني السيف القاطع. و”المجلعة” (ص23) وهي تعني “المجلة” وتعني “المضربة” الممتدة. ويتابع: “يمكننا أيضًا أن نستنتج أن الشاعر سعى إلى تنويع اللغة العامية حتى لا يقتصر على اللهجة الفلسطينية فقط، ربما نتيجة لرغبته في أن يُقرأ شعره في مناطق واسعة من الوطن العربي، ولا يقتصر الأمر على فلسطين، أو أن السبب في ذلك هو نفوذ الزجل اللبناني”. ولهذا نراه يحاول التقليل من ظاهرة اللهجة الفلسطينية. فمثلا، نادرا ما نجد فيه ظواهر النفي المميزة في اللهجة الفلسطينية، كإضافة حرف الشين إلى نهايات الأفعال أو استخدام كلمة مش مع الأسماء والمشتقات. بل نجد فيه أشكالاً منكراً أقرب إلى اللهجة الفصحى أو اللبنانية. ويتحدث كيال عن قاموس عطا الله اللغوي، قائلاً إن الشاعر “له قاموسه اللغوي الخاص الذي يجب أن نتعرف عليه لنفهم معانيه. على سبيل المثال: “رامامين” تعني ثمار الرمان، “زمت” تعني مصمم، “معاكس” تعني عدو، “شخصي” تعني نفسيا. كما نجد أن لديه مفردات معربة من اللغات الأجنبية، مثل: “دشمان” وتعني بالفارسية والتركية العدو أو الخصم، و”شلفا” وتعني الرمح باللغة السريانية، لافتاً إلى أن هذا التنوع على المستويات اللغوية فقد ظهر في جميع أبواب الديوان، وفي الواقع ليس من المستغرب أن نرى هذا التنوع ولو في بيت واحد، كما يظهر مثلا في سطر العتاب التالي من الفصل الثاني، حيث يصف الشاعر بطريقة جيدة- بطريقة عقلانية شعر الحبيبة الأسود الذي يزيد الظلام قتامة، وضفائرها التي لا يستطيع المشط فكها، وجبهتها التي أشرق منها البدر بالنور. : «عوجاجك ناقة الظلمة، شوكتي/جبهتي تحتي، فكيف شوكك/ضفرتك، ولا أظن المشط شوكًا/قال: طلع البدر من نوري». “” تضم المجموعة الصغيرة تسع قصائد ذات أغراض وموضوعات متنوعة، منها الغزال والعتاب والفراق والفخر والحماس والعار. سباق وطني. وأغلب هذه الأغراض والموضوعات مستمدة من الشعر والزجل العربي القديم بشقيه الفصيح والعامي، من حيث الأفكار والتعبيرات والألفاظ. ومع ذلك، يمكن العثور ضمن المجموعة على المزيد من القضايا والمواقف والجوانب التي تستحق التوقف والمراجعة. كما لا تخلو المجموعة من الاهتمام بالموضوعات الاجتماعية والسياسية التي شغلت الشاعر، خاصة وأن فلسطين كانت تعيش في ذلك الوقت حالة من الاضطراب السياسي نتيجة الانتداب البريطاني والأطماع الصهيونية. تمت كتابة معظم فصول الديوان بأسلوب العتبة والمغنا المعروفين بالزجل الشعبي. وبحسب الباحث اللبناني منير الياس وهيبة، فإن العتبة من بدع عشيرة الجبور العراقية، وتقع على الطريق العام، والآية الواحدة فيها مكونة من أربعة أجزاء، ثلاثة منها على نفس القافية. بكلمات متجانسة في النطق ومعاني مختلفة في النهاية، بينما الجزء الأخير يختتم بحرف الباء الساكن أو الألف، ممدودًا أو مختصرًا. ويتفق الشاعر الفلسطيني سعود الأسدي مع وهيبة في بنية الشعر، لكنه يؤكد على أن العتاب على البحر البسيط (إحدى عشرة حركة في كل شوط). وأما المغنة فهي على البحر اليعقوبي (اثنتي عشرة حركة في كل شوط)، وهي تشبه العتبة في أجزائها وقوافيها، ولكنها تنتهي بحرف النون والألف.
يقدم كيال شرحا شاملا في كتاب أصول الفن في أقوال العتاب للكاتب أسعد…
– الدستور نيوز