دستور نيوز
الشيخوخة كصعود في المعرفة
لقد رحل إدغار مورين، لكن الأفكار التي أمضى أكثر من قرن في بنائه لا تزول بسهولة.
وكان يقول إن الشيخوخة ليست انحدارا تدريجيا نحو النهاية، بل هي صعود على سلم الخبرة والمعرفة. وعندما تجاوز 105 أعوام، بدا وكأنه يقدم دليلاً حيًا على ما يؤمن به؛ جسد أثقلته السنين، وعقل ظل مشتعلا بالأسئلة، لا يكف عن مراجعة المسلمات ومساءلة العالم.
مثقف عاش القرن وشهد تحولاته الكبرى
وكان مورين من آخر أفراد جيل المثقفين الكبار الذين اعتبروا الفكر مسؤولية عامة، وليس مجرد مهنة أكاديمية. لقد عاش طويلاً بما يكفي ليشهد معظم أحداث القرن العشرين والتحولات الكبرى التي خلقت عالمنا المعاصر. عرف الحروب والثورات، وشهد صعود وسقوط الأيديولوجيات، ورأى العلم يفتح للإنسانية آفاقا جديدة بينما السياسة تغلق في وجوهها أبوابا أخرى.
من مقاومة الفكر: المعرفة المرتبطة بالواقع
لم يكن الرجل مُنظِّرًا يراقب التاريخ من خلف نافذة مكتبه. انضم وهو شاب إلى المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، وحمل معه طوال حياته قناعة راسخة بأن المعرفة التي لا تمس الواقع تبقى ناقصة. ولذلك فهو لم يفصل قط بين الفكر والحياة، وبين النظرية والتجربة الإنسانية المباشرة.
«الفكر المعقد».. مشروع لفهم عالم شديد التعقيد
ألف عشرات الكتب ومئات المقالات، وترك بصمته في علم الاجتماع والفلسفة والتعليم والسياسة، حتى أصبح اسمه مرتبطا بما عرف بـ”الفكر الجامع”. وسعى من خلال هذا المشروع إلى فهم العالم كشبكة معقدة من العلاقات والتفاعلات، التي لا يمكن اختزالها في تفسير واحد أو حقيقة نهائية.
شجاعة المثقف في مواجهة السلطة والرأي العام
كان مورين من سلالة نادرة من المثقفين الذين لم يخافوا من دفع ثمن آرائهم. ووقف ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر، وانتقد السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، معتبرا أن مأساة شعب لا يمكن أن تكون مبررا لمأساة شعب آخر.
وأثارت مواقفه جدلاً واسعاً، ووصل الأمر إلى المحاكم، لكنه ظل متمسكاً بحق المثقف في قول ما يعتقد أنه الحقيقة، حتى لو كان ذلك غير مريح لأصحاب النفوذ أو الرأي العام.
موران الإنسان… فضول لا يشيخ
إذا كان الكثيرون يعرفون موران المفكر، فإن المقربين منه تحدثوا أيضًا عن موران الإنسان؛ ذلك الرجل الذي لم يتخل عن فضوله الطفولي رغم تقدمه في السن. وواصل القراءة والكتابة والمحاضرات والسفر، وكأن الزمن لم ينجح في إقناعه بأن الرحلة قد اقتربت من نهايتها.
وعندما سئل عن سر عمره الطويل، لم يقدم وصفة سحرية، بل تحدث عن حب الحياة، والقدرة على تلقي أفراحها وأحزانها بنفس الدرجة من القبول.
الحكمة من النهوض بعد السقوط
خلال حياة امتدت لأكثر من قرن، عرف النجاح والفشل، الحب والخسارة، الشهرة والوحدة. لكنه رفض أن يتحول إلى صورة الحكيم المنتصر. كان يعتقد أن حياة الإنسان هي مزيج من الانتصارات والهزائم، وأن الحكمة الحقيقية ليست في تجنب السقوط، بل في القدرة على النهوض بعده.
شعلة انتقلت إلى الأجيال القادمة
برحيل إدغار مورين، لا يختفي اسم من سجل الفلسفة المعاصرة فحسب، بل ينطفئ أيضًا أحد الأصوات التي حاولت أن تكون ضمير عصرها. ذلك النوع من المثقفين الذين لا يكتفون بشرح العالم، بل يهتمون بمصيره، ويشعرون بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان أينما كان.
لقد عاش أطول مما يعيشه معظم الناس، لكنه ترك وراءه ما هو أكثر ديمومة من العمر نفسه: أسئلة مفتوحة، وأفكار ترفض الشيخوخة، وإيمان بأن الإنسان لا يزال قادرًا على التعلم طالما كان قادرًا على الإدهاش. ولعل هذا هو على وجه التحديد السبب الذي يجعل رحيل إدجار مورين لا يبدو وكأنه نهاية، بل أشبه بترك شعلة في أيدي الآخرين.
شارك هذا الموضوع:
#إدغار #مورين.. #رحيل #المفكر #الذي #ترك #أسئلته #مفتوحة #حول #المستقبل #الجنوبي
إدغار مورين… رحيل المفكر الذي ترك أسئلته مفتوحة حول المستقبل – الجنوبي
– الدستور نيوز
اخبار الفن – إدغار مورين… رحيل المفكر الذي ترك أسئلته مفتوحة حول المستقبل – الجنوبي
المصدر : janoubia.com
