دستور نيوز
ويرى الصحفي والمحلل السياسي التركي إيمري أوسلو -الذي عمل سابقا أستاذا في أكاديمية الشرطة في تركيا- أن فهم الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل لا يمكن تفسيره فقط من خلال تأثير جماعات الضغط اليهودية داخل الولايات المتحدة، بل يرتبط بدرجة أكبر بتأثير اتجاه ديني واسع داخل المجتمع الأمريكي يعرف بالإنجيليين. ويشير في تحليله على يوتيوب إلى أن هذه الحركة تشكل قاعدة اجتماعية وسياسية ضخمة تضم عشرات الملايين من المتابعين، ولها تأثير مباشر على الحياة السياسية الأميركية، خاصة داخل الحزب الجمهوري.
القوة العددية للإنجيليين وتأثيرهم السياسي
وتقدر أوسلو عدد المسيحيين الإنجيليين المؤيدين لإسرائيل في الولايات المتحدة بما يتراوح بين سبعين وثمانين مليون شخص. ويفوق هذا العدد بكثير عدد اليهود الأميركيين الذين يقدر عددهم بسبعة إلى ثمانية ملايين فقط.
ويؤكد أن التصور الشائع الذي يربط سياسات واشنطن تجاه إسرائيل بنفوذ الجالية اليهودية وحدها يظل تفسيرا ناقصا. أما الثقل الحقيقي – بحسب تحليله – فيأتي من القاعدة الاجتماعية الضخمة من الإنجيليين، الذين يشكلون إحدى أهم قواعد التصويت للحزب الجمهوري، ولديهم قدرة كبيرة على التأثير على قرارات السياسيين.
أوسلو تستشهد بتصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هوكابيوهو أيضاً من الحركة الإنجيلية، وقال في إحدى مقابلاته إن المنطقة الممتدة بين نهر الفرات ونهر النيل هي – بحسب تفسيره للنصوص الدينية – أرض الميعاد لبني إسرائيل إذا تمكنوا من السيطرة عليها.
طبيعة الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة
الإنجيلية داخل البروتستانتية الأمريكية لها هيكل تنظيمي مختلف عن الكنائس الكاثوليكية أو الأرثوذكسية. ولا تخضع هذه الكنائس لسلطة مركزية موحدة، بل تعمل بشكل مستقل نسبيًا، وهو ما يشبه في هيكله النظام الفيدرالي الأمريكي نفسه.
وقد سمح هذا الاستقلال المؤسسي بظهور تفسيرات دينية متعددة، يتبنى بعضها القراءة الحرفية للنصوص الدينية، وهي القراءة التي أصبحت فيما بعد الأساس الفكري لدعم المشروع الصهيوني داخل هذه الحركة.
جذور الفكرة الصهيونية في التفسير البروتستانتي
تقدم أوسلو فكرة ملفتة للنظر، وهي أن جذور المفهوم الصهيوني لم تكن يهودية في الأصل، بل ظهرت بين البروتستانت الأوروبيين قبل أن يتبناها اليهود فيما بعد.
ويربط هذه التحولات بحدث تاريخي محوري يتمثل في اختراع الطباعة في أوروبا. ومع انتشار الطباعة، بدأت طباعة الأناجيل باللغات المحلية مثل الألمانية والإنجليزية وغيرها، بعد أن كانت النصوص الدينية تُقرأ باللغة اللاتينية وبقيت حكراً على رجال الدين.
في السابق، كانت الكنيسة الكاثوليكية تحتكر تفسير النصوص الدينية، وأكدت أن مفهوم “أرض الموعد” ليس وعدًا جغرافيًا مطلقًا، بل هو مفهوم أخلاقي وروحي مرتبط بالجدارة الدينية. أي أن الأرض تعطى لمن تمسك بتعاليم الله وابتعد عن المحرمات.
ولكن عندما أصبحت النسخ المترجمة من الكتاب المقدس أكثر شعبية بين عامة الناس، بدأ الكثيرون في قراءة النصوص حرفيًا مباشرة واستنتجوا أن هناك أرضًا محددة موعودة للإسرائيليين كمجموعة عرقية محددة. وهكذا تحولت الفكرة من المعنى الأخلاقي الروحي إلى تصور جيوسياسي.
– صعود القومية الأوروبية والعداء تجاه اليهود
وتزامن انتشار هذه التفسيرات الجديدة مع صعود القومية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية. أدى ظهور مفهوم الدولة القومية إلى مناقشات واسعة النطاق حول الهوية والانتماء.
في تلك المرحلة، فضل العديد من اليهود الأوروبيين الاندماج كمواطنين داخل البلدان التي يعيشون فيها، بدلاً من البحث عن وطن قومي منفصل. وكان هذا الموقف أحد أسباب رفض الفكرة الصهيونية من قبل بعض زعماء اليهود الأوائل.
ويشير أوسلو إلى أن وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفورالذي أصدر فيما بعد وعد بلفور عام 1917 الذي يدعم إنشاء وطن لليهود في فلسطين، وكان له في الأصل مواقف معادية لليهود، وكان يرفض في السابق استقبال المهاجرين اليهود من روسيا إلى بريطانيا.
وخلال المناقشات البرلمانية البريطانية حول وعد بلفور، كان الممثل اليهودي الوحيد في البرلمان البريطاني آنذاك أحد أبرز المعارضين للفكرة، خوفًا من أن تؤدي إلى التشكيك في ولاء يهود أوروبا للدول التي يحملون جنسيتها.
ونقل تيودور هرتزل الفكرة إلى المشروع اليهودي
ومع تصاعد موجة القومية الأوروبية والعداء لليهود في أواخر القرن التاسع عشر، ظهر الصحفي النمساوي تيودور هرتزل الذي أعاد صياغة الفكرة الصهيونية ضمن مشروع سياسي يهدف إلى إقامة الدولة اليهودية.
ورغم أن هرتزل نفسه كان علمانيًا، إلا أنه اعتنق فكرة الدولة اليهودية كحل سياسي لما اعتبره مشكلة معاداة السامية في أوروبا.
حاول هرتزل تنظيم المؤتمر الصهيوني الأول في فيينا، لكنه واجه معارضة قوية من الجاليات اليهودية هناك. ولهذا السبب انعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 في مدينة بازل السويسرية، حيث تم وضع الأسس التنظيمية للحركة الصهيونية الحديثة.
انتقلت الفكرة إلى الولايات المتحدة
وترى أوسلو أن النسخة الأمريكية من هذه الفكرة لم تتبلور إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدا في خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأت الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة في تطوير خطاب ديني جديد يربط بين قيام إسرائيل والنبوءات الدينية حول نهاية العالم.
وفي السبعينيات، ظهرت حركة عرفت باسم “حركة يسوع”، والتي ربطت عودة المسيح بنشوء دولة إسرائيل واندلاع حرب كبرى في الشرق الأوسط تُعرف في الأدبيات الدينية باسم معركة “هرمجدون”.
ووفقاً لهذه الرواية الدينية فإن القوى الدولية – مثل روسيا وإيران وتركيا – سوف تدخل في حرب مع إسرائيل، وعندما يبدو أن إسرائيل على وشك الهزيمة، فإن المسيح سيعود ليغير مسار المعركة.
الاقتصاد الديني: السياحة كوسيلة مالية
ويشير أوسلو إلى أن هذا المذهب لم يظل مجرد خطاب ديني، بل تحول إلى نظام اقتصادي متكامل.
أنشأت العديد من الكنائس الإنجيلية شركات سياحية تنظم رحلات دينية إلى الأراضي المقدسة. ويقال إن حوالي أربعين بالمائة من السياح الأمريكيين الذين يزورون إسرائيل يصلون من خلال هذه البرامج التي تديرها الكنيسة.
ويتم تقديم هذه الرحلات كتجربة روحية مرتبطة بالنبوة الدينية، حيث يرافق الكهنة المجموعات السياحية ويشرحون المواقع المرتبطة بالروايات الدينية حول عودة المسيح ونهاية العالم.
وتؤكد أوسلو أن هذه الرحلات ليست مجانية، بل يدفع المشاركون مقابلها آلاف الدولارات، مما يجعلها مصدر دخل كبير للكنائس والمنظمات المرتبطة بها.
ظهور “التلفزيون الديني” وتأثيره السياسي
ومع انتشار التلفزيون في الولايات المتحدة خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ظهر ما يعرف بـ”الوعظ التلفزيوني”، حيث بدأ القساوسة الإنجيليون بتقديم برامج دينية وصلت إلى ملايين المشاهدين.
جذب هذا التعرض الإعلامي انتباه السياسيين الأمريكيين، الذين بدأوا في مغازلة هؤلاء الزعماء الدينيين للحصول على دعمهم الانتخابي.
ومع مرور الوقت، تشكل تحالف سياسي غير رسمي بين اللوبيات المؤيدة لإسرائيل من جهة، والقاعدة الشعبية الإنجيلية من جهة أخرى. وبينما يقدم اللوبي الدعم المالي للحملات الانتخابية، توفر الكنائس قاعدة انتخابية واسعة تدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل.
الجامعات الإنجيلية وشبكات التأثير
ومن أبرز المؤسسات المرتبطة بهذه الحركة جامعة الحرية في ولاية فرجينيا، وهي إحدى أهم المؤسسات التعليمية المحافظة في الولايات المتحدة.
تضم الجامعة عشرات الآلاف من الطلاب وأصبحت محطة أساسية للمرشحين الجمهوريين خلال الحملات الانتخابية.
وتفرض الجامعة شروطا دينية صارمة على موظفيها، حيث يشترط أن يكون أعضاء هيئة التدريس مسيحيين، وتجمع بين التعليم الأكاديمي والتعاليم الدينية المحافظة.
“حزام الكتاب المقدس” في الولايات المتحدة
ويتركز نفوذ الإنجيليين في المنطقة المعروفة باسم “حزام الكتاب المقدس”، وهي مجموعة من الولايات الجنوبية والوسطى في الولايات المتحدة حيث يلعب الدين دورا مركزيا في الحياة الاجتماعية والسياسية.
وفي هذه المناطق، أصبحت الهوية الثقافية السائدة تعرف باسم “الثقافة اليهودية المسيحية”، وهو مفهوم أيديولوجي ربط بين التراث الديني اليهودي والمسيحي كأساس للقيم السياسية والاجتماعية في الولايات المتحدة.
وتعتقد أوسلو أن هذه البيئة الثقافية وفرت الأساس الشعبي لدعم أميركي واسع النطاق لإسرائيل.
التطورات في السنوات الأخيرة
ورغم أن الحركة الإنجيلية لا تزال أحد أهم العناصر الفاعلة في السياسة الأمريكية، إلا أن نفوذها واجه بعض التراجع النسبي في السنوات الأخيرة بسبب فضائح أخلاقية طالت بعض الزعماء الدينيين، بالإضافة إلى التحولات الاجتماعية داخل المجتمع الأمريكي.
لكن هذه التراجعات لم تلغي دوره السياسي. ولا يزال الإنجيليون يشكلون أحد أهم الركائز الانتخابية للحزب الجمهوري، ويواصلون لعب دور مؤثر في تشكيل الخطاب السياسي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
ملخص
ويرى نظام أوسلو أن الدعم الأميركي لإسرائيل لا يمكن فهمه دون تحليل الدور العميق للحركة الإنجيلية، التي تجمع بين العقيدة الدينية والمصالح السياسية والاقتصادية. ولا يوفر هذا الاتجاه قاعدة اجتماعية واسعة للدعم السياسي فحسب، بل يشكل أيضًا نظامًا اقتصاديًا وثقافيًا يعزز هذا الدعم على المدى الطويل.
#الإنجيليون #في #الولايات #المتحدة #ودعم #إسرائيل #الخلفية #الدينية #والسياسية #والاقتصادية
الإنجيليون في الولايات المتحدة ودعم إسرائيل: الخلفية الدينية والسياسية والاقتصادية
– الدستور نيوز
اخبار الفن – الإنجيليون في الولايات المتحدة ودعم إسرائيل: الخلفية الدينية والسياسية والاقتصادية
المصدر : turkiyetodays.com
