دستور نيوز
ظاهرياً، فإن كليب “Kaaba de Hacilar” ليس أكثر من أنشودة دينية شعبية متداولة خلال شهر رمضان، تؤديها مجموعة من المطربين بإيقاع بسيط وكلمات تراثية تمجد الكعبة والحج والذكر. لكن انتشارها الواسع على المنصات الرقمية، وصدىها الذي وصل إلى فضاءات عالمية مثل تايمز سكوير في نيويورك، دفعها إلى قلب جدل تركي قديم يتجاوز الموسيقى إلى مسألة الهوية والثقافة والهيمنة الرمزية.
وقدم الصحفي والمحلل السياسي التركي إمري أوسلو، الذي عمل سابقًا أستاذًا في أكاديمية الشرطة في تركيا، قراءة تربط الظاهرة بسياق أوسع من الاستقطاب بين الحركة المحافظة والحركة الكمالية العلمانية، معتبرًا أن الجدل حول العمل لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من التوتر الثقافي في الجمهورية.
من خاتم رجالي إلى منصة رقمية عالمية
العمل هو في الأساس أنشودة صوفية تقليدية، تتكرر فيها عبارات مثل “اللهم ارزقنا رؤية كعبتك ونموت من أجلك”، وهو نمط مألوف في البيئات النقشبندية والقادرية في الأناضول. وفي هذا السياق، تستذكر أوسلو ذكرياته الشخصية، مشيرة إلى نشأته في منزل كان يستضيف حلقات الذكر الشتوية في الريف، حيث كان الدراويش يغنون الأناشيد قبل المجالس الروحية.
وبهذا المعنى فإن النشيد لا يمثل قطيعة مع التراث، بل ترميماً له في شكل رقمي حديث. الجديد ليس اللحن ولا الكلمات، بل انتقاله من مساحة القرية أو الزاوية إلى مساحة «الاتجاه» العالمي، ومن الطقوس الدينية المحلية إلى التداول العالمي عبر الإنترنت.
الصدمة الثقافية: لماذا يزعج بعض الكماليين العلمانيين أنفسهم؟
وترى أوسلو أن ردود الفعل الغاضبة في الأوساط العلمانية الكمالية لا تتعلق بالعمل كموسيقى، بل بما يمثله رمزيا. منذ تأسيس الجمهورية، هيمن على المشهد الثقافي التركي نموذج حداثي علماني قدم نفسه على أنه أعلى معيار للفن والذوق العام، مع ميل واضح نحو أشكال الأداء الغربية أو “العالية”.
وفي هذا السياق، اعتبرت موسيقى الطبقات الشعبية، خاصة تلك المرتبطة بالهوية الدينية أو الغجرية (الرومانية)، هامشية أو للترفيه الخفيف. تستشهد أوسلو بأمثلة من التسعينيات، عندما تم استخدام بعض الشخصيات الغنائية في البرامج كمواد للسخرية أو للزينة الفولكلورية، وليس كتعبير ثقافي كامل.
ظهور نشيد ديني بسيط يؤديه مطربون ذوو خلفية شعبية، ويحقق انتشارا واسعا دون «جمالية مسرحية» أو إنتاج ضخم، بدا للكثيرين أنه يقوض احتكار الذوق. ومن هنا، فإن الانزعاج – بحسب تحليل أوسلو – ينبع من كونه «مخالفاً» للنموذج الثقافي السائد وليس خلافاً على الجودة الفنية.
المحافظون بين عقدة الاعتراف ولحظة الانتقام الرمزي
في المقابل، تقرأ أوسلو التفاعل المحافظ مع الظاهرة على أنه تعبير عن حاجة قديمة للاعتراف. ووفقا لتحليله، فإن شرائح كبيرة من المحافظين شهدت تاريخيا شعورا بالدونية أمام النخب العلمانية والغرب الثقافي، وسعت إلى إثبات نفسها ضمن معايير الآخرين.
إن انتشار النشيد الوطني على منصات مثل سبوتيفاي، وتداوله في أوروبا، بحسب أوسلو، أعطى هذه المجموعات شعورا بالنصر الرمزي: «نحن قادرون أيضا على خلق ظاهرة عالمية». فالمسألة هنا لا تتعلق بالتقييم الموسيقي البحت، بل بتحرير نفسي من شعور التبعية الثقافية.
ولا تبالغ أوسلو في القيمة الفنية للعمل، بل تعترف بأنه بسيط من حيث التأليف والإنتاج. لكنه يرى أن عالم «ما بعد الحداثة» يميل إلى تفضيل الأصالة والعفوية على الإتقان الفني البارد، مستشهدا بأمثلة سابقة لظواهر موسيقية عالمية انتشرت من الهوامش إلى المركز، مثل موجة «غانغام ستايل» التي خرجت من كوريا الجنوبية واجتاحت العالم.
بين الأصالة والمشهد: تحول الذوق في عصر ما بعد الحداثة
تشبه أوسلو الفرق بين الموسيقى “العقيمة” والهتاف الشعبي بالفرق بين الطماطم الدفيئة والطماطم المحلية في الأسواق المحلية: الأولى لامعة ومثالية بصريا، والثانية أقل انتظاما لكنها أكثر “حقيقية” في نظر المستهلك المعاصر الباحث عن الأصالة.
وفي هذا السياق، يكتسب النشيد قوة رمزية لأنه يقدم صورة غير مصقولة، خالية من المسرحية المفرطة، ويستحضر ذاكرة دينية ريفية تم تهميشها في الخطاب الثقافي الرسمي منذ عقود.
السياسة على المحك: من المنصة إلى البرلمان
ولا يتوقف التحليل عند البعد الثقافي. فالمشهد التركي شديد الاستقطاب، وأي ظاهرة يمكن استغلالها سياسيا. وترى أوسلو أن العمل يخدم بشكل موضوعي خطاب الحركة الإسلامية الحاكمة، لأنه يثير حفيظة بعض العلمانيين، مما يعمق الانقسام ويغذي سردية “نحن وهم”.
ومع انتشار المقطع خلال شهر رمضان، وتزامنه مع نقاشات حول البرامج الدينية في المدارس وتجدد الجدل حول العلمانية، تحول إلى مادة قابلة للتوظيف. وأشارت أوسلو إلى أن الرئيس رجب طيب أردوغان تناول الظاهرة في البرلمان، ما يؤكد انتقالها من الفضاء الثقافي إلى الساحة السياسية.
ويقارن الكاتب ذلك بالظواهر السابقة، مثل استخدام موسيقى “الدومبرا” في صعود الخطاب القومي، معتبرا أن الموسيقى في تركيا ليست مجرد فن، بل أداة تعبئة ورمز للانتماء.
ماذا تكشف الظاهرة عن المجتمع التركي؟
في الختام، لا ترى أوسلو في «كعبة دي هاجيلار» مجرد أغنية عابرة، بل مرآة لتحولات أعمق. إنه يكشف عن صراع مستمر بين مركز ثقافي تقليدي وجماعة هامشية تسعى إلى إعادة تعريف نفسها، ومجتمع يحاول التوفيق بين تراثه الديني وموقعه في عالم معولم.
كما أنه يعكس تحولاً في معايير الاعتراف: من المؤسسات الثقافية الرسمية إلى خوارزميات المنصات الرقمية، حيث يمكن لفعل بسيط أن يفرض نفسه خارج قنوات النخبة.
ملخص
ظاهرة “كعبة حجيلار” تتجاوز مجرد الإنشاد الديني لتصبح اختبارا لعلاقة الثقافة بالسياسة في تركيا المستقطبة. وبين انزعاج كمالي واحتفال المحافظين، تكشف الأغنية عن تحول عميق في موازين الرمزية والاعتراف داخل المجتمع التركي.
#كعبة #حجيلار #كيف #تحول #النشيد #الديني #الشعبي #إلى #موضوع #صراع #ثقافي #في #تركيا #والعالم
“كعبة حجيلار”: كيف تحول النشيد الديني الشعبي إلى موضوع صراع ثقافي في تركيا والعالم؟
– الدستور نيوز
اخبار الفن – “كعبة حجيلار”: كيف تحول النشيد الديني الشعبي إلى موضوع صراع ثقافي في تركيا والعالم؟
المصدر : turkiyetodays.com
