.

أخبار الفن – هجرة السينما المصرية إلى لبنان في الستينيات

تهاني احمد24 فبراير 2026
أخبار الفن – هجرة السينما المصرية إلى لبنان في الستينيات


دستور نيوز

كتب محمد همدر في بي بي سي عربي:

وفي منتصف الستينيات، شهدت السينما المصرية موجة إنتاج انتقلت جزئيًا إلى لبنان، نتيجة التأميم والتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها مصر بعد ثورة 1952 وهزيمة 1967. وجذبت هذه الخطوة المنتجين والمخرجين والممثلين المصريين إلى بيروت، حيث ساهموا في بناء صناعة سينمائية ناشئة جمعت نجوم مصر ولبنان وسوريا، وأصبحت العاصمة اللبنانية محطة سينمائية ثانية بعد القاهرة.

عرفت هذه الفترة بالسينما “التعاقدية” أو “المجمعة”، إذ اعتمدت الأعمال على الإنتاج التجاري السريع، فجمعت النجوم في قصص حب ومغامرات تم تصويرها في مواقع لبنانية شهيرة مثل صخرة الروشة وقلعة بعلبك، مع تسجيل بعض الأغاني ومشاهد الأكشن، التي شكلت فيما بعد النواة الأولى لمقاطع الفيديو. وقد دعم تدفق رؤوس الأموال من مصر وفلسطين وسوريا هذا النشاط، وبرز “استوديو بعلبك” كمركز إنتاج فني مجهز تقنيًا.

ومع نهاية الستينيات، تغيرت المشاهد السينمائية في مصر مع حكم أنور السادات وفترة الانفتاح الاقتصادي، بينما واجهت السينما اللبنانية صعوبات اقتصادية وسياسية أدت فيما بعد إلى الحرب الأهلية عام 1975. ورغم ذلك، تركت هذه المرحلة إرثا كبيرا في الذاكرة السينمائية العربية، تجلى في إنتاجات مشتركة وأفلام أكشن ورومانسية، وأعمال توثق التحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.

كان نجاح القطاع السينمائي في مصر، محليا وعربيا، دافعا للسلطة للاستثمار فيه في تمرير رسائلها أو دعايتها، منذ عهد النظام الملكي. بعد نجاح ثورة يوليو 1952 ضد النظام الملكي، مرت السينما المصرية بعدة مراحل في طريقها إلى التأميم. وأعلنت الهيئة الجديدة رؤيتها للسينما في بيان أصدره الرئيس الأول للجمهورية محمد نجيب بعنوان «الفن الذي نريده» بعد أربعين يوما من توليه منصبه.

وقال نجيب في بيانه: “السينما وسيلة تعليم وترفيه، وعلينا أن ندرك ذلك، لأننا إذا أسأنا استخدامها سنغرق أنفسنا في القاع، وندفع بالشباب إلى الهاوية. لا يكاد يوجد فيلم بدون راقصة، وهذا كان يليق بالعصور الماضية، لكنه لا يليق بمصر الثورية”.

وفي عام 1956، تولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية، وأظهر بدوره اهتماماً خاصاً بالسينما. وشهدت بداية عهده معلمين أساسيين في تاريخ مصر: العدوان الثلاثي، وتأميم قناة السويس. وفي عام 1957 صدر قرار جمهوري بإنشاء “مؤسسة دعم السينما” بهدف دعم وتطوير الإنتاج السينمائي، ثم أنشئ المعهد العالي للسينما بقرار رسمي عام 1959.

خلال هذه المرحلة، لا توثق الأعمال السينمائية النقد المباشر لسياسات السلطة أو رئيسها أو مرحلة الثورة. في المقابل، شهدت محتويات الأفلام تحولا يعكس أفكار المرحلة، مثل الاشتراكية، ومحاربة الطبقة، والنضال ضد الاستعمار، دون أن يطغى على معظمها طابع دعائي مباشر.

وفي بداية الستينيات صدر قرار بتأميم السينما في مصر أسوة ببقية القطاعات التي خضعت للتأميم بعد الثورة. واكتملت إجراءات التأميم عام 1963 بعد إنشاء المؤسسة العامة للسينما. ويمثل هذا القرار نقطة تحول في تاريخ السينما المصرية، وأدى إلى موجة هجرة أولى للعاملين في القطاع.

الحدث البارز الثاني كان هزيمة 1967، أو ما عرف بـ”النكسة”، حيث تركت تداعياتها أثرا كبيرا على الإنتاج السينمائي، وأدت إلى مغادرة موجة ثانية من صناع السينما لمصر.

في لبنان، كانت السينما تخطو خطواتها الأولى على استحياء مقارنة بـ«هوليوود العربية»، لكن المنتجين المصريين عرفوا مبكراً الطريق إلى بيروت لتمويل إنتاجاتهم، إذ كانت العاصمة اللبنانية تمثل مركزاً جاذباً للاستثمار ورؤوس الأموال. وشهدت تدفقاً مالياً من فلسطين قبل “النكبة – حرب 1948″، ومن سوريا نتيجة الانقلابات وتغييرات النظام. ومع بداية مرحلة التأميم في مصر، قام بعض المصريين أيضًا بإيداع أموالهم في بيروت.

بدأ المشهد يشبه الهجرة العكسية، إذ كانت القاهرة قبل هذه المرحلة وجهة تجتذب اللبنانيين والعرب الطامحين إلى دخول عالم السينما، تلك الشاشة التي سحرت الملايين قبل انتشار التلفزيون في المنازل. وظهرت أسماء مثل فريد شوقي، ورشدي أباظة، وعبد السلام النابلسي، ونبيلة عبيد، وناهد شريف، وناهد يسري، ويوسف وهبي، ونادية لطفي، وعشرات الوجوه الأخرى في أعمال جديدة تم تصويرها في لبنان بمشاركة ممثلين لبنانيين وعرب.

واستمرت المشاهد المصورة على شاطئ صخرة الروشة الشهيرة، في قلعة بعلبك، وبين المناظر الطبيعية لجبال لبنان، وصولاً إلى التلفريك في حريصا المطل على خليج جونيه. وكانت أغلب قصص هذه الأفلام متشابهة، تدور حول حكايات حب ومغامرات يخوضها أبطال الشاشة في مصر ولبنان وسوريا والعراق، في مواجهة عصابات أو لصوص، مع أغاني تم تصويرها في مواقع مختلفة، والتي بدت وكأنها النواة الأولى للفيديو كليب.

هذه الموجة من السينما التجارية سُميت “العقد” أو “السينما المجمعة”، وتعني “الخليط”، في إشارة إلى الإنتاج المشترك الذي يجمع ممثلين ومنتجين وكتاب من بلدان مختلفة. ورغم الانتقادات التي طالت محتوى هذه الأعمال، لعدم تناولها قضايا أو تحولات اجتماعية، ولضعفها على المستوى الفني في التمثيل والإخراج والتنفيذ، إلا أنها شكلت جزءا حميما من الذاكرة السينمائية العربية.

برز “ستوديو بعلبك” كواحد من أكبر وأهم استوديوهات الإنتاج الفني المجهزة تقنياً في العالم العربي. هذه المرحلة في لبنان وثّقها كتاب المخرج هادي زكاك، الصادر باللغة الفرنسية عام 1997، بعنوان «السينما اللبنانية: طريق إلى المجهول»، إضافة إلى كتابات الناقد إبراهيم العريس، فضلاً عن مادة بصرية مهمة تتضمن ملصقات لتلك الأفلام، جمعها الناشر عبودي أبو جودة في كتابه «هذا المساء».

ومن الأفلام المصرية التي تم تصويرها في بيروت: «أبي في الشجرة»، و«أهلاً يا حب»، و«بدوي في باريس»، و«سيدة الأقمار السوداء»، و«الإنتربول في بيروت». وكان المخرج يوسف شاهين من بين الأسماء التي وصلت إلى بيروت، لكنه لم يشارك في موجة الأفلام «المجمعة»، بل تفرغ لتصوير فيلم «بائع الخواتم» مع الأخوين رحباني وفيروز.

ومع نهاية الستينيات، كانت السينما في لبنان ومصر تمر بتحول جديد. توفي جمال عبد الناصر، وخلفه أنور السادات، مما أدخل مصر مرحلة سياسية مختلفة اتسمت بشعارات الانفتاح الاقتصادي على القطاع الخاص والخارج، والسعي لتحقيق السلام مع إسرائيل.

أما لبنان، فإن الصورة النمطية التي أحاطت ببيروت في ستينيات القرن الماضي كمدينة للسينما والحياة الليلية والانفتاح والازدهار والأعمال المصرفية، لم تدم طويلاً. وخلف هذه الصورة تراكمت المشاكل الاقتصادية، واتسعت الفوارق الطبقية، واشتد الانقسام حول قضايا سياسية متعددة، منها دعم الناصرية أو العروبة أو القضية الفلسطينية التي انتقلت حركتها المسلحة إلى لبنان، خاصة بعد هزيمة 1967.

وظهرت أفلام جديدة تمجد «المقاومة الفلسطينية» وتتناول الصراع مع إسرائيل، وإن ظلت في إطار الأفلام السائدة، مستخدمة لغة «الأكشن» والمبالغات البطولية. كما ظهر جيل جديد من المخرجين الذين شكّلت الأحداث في لبنان والمنطقة وعيهم السياسي، وسعوا إلى التعبير عن واقع مختلف عن الصورة السائدة على الشاشة آنذاك، أبرزهم كريستيان غازي، ومارون بغدادي، وبرهان علوية.

ومع تفاقم الانقسام السياسي، اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وتحولت السينما لاحقا إلى الأعمال المصنفة بـ”سينما الحرب”، واستمرت هذه المرحلة لسنوات طويلة حتى بعد توقف القتال مطلع التسعينيات. خلال الحرب الأهلية، استمر إنتاج عدد من أفلام «الأكشن» اللبنانية في ظل غياب إنتاج مشترك مع مصر. ورغم ضعف هذه الأعمال على المستوى الفني في محتواها وتنفيذها، إلا أنها شكلت جزءاً من ذاكرة السينما اللبنانية في زمن الحرب.

مع مرور الوقت، قضت الحرب على ازدهار صناعة السينما في لبنان، وأفرغت دور السينما من جمهورها، حتى تحولت بعض القاعات إلى استراحة لمقاتلي الميليشيات المتحاربة.

#هجرة #السينما #المصرية #إلى #لبنان #في #الستينيات

هجرة السينما المصرية إلى لبنان في الستينيات

– الدستور نيوز

اخبار الفن – هجرة السينما المصرية إلى لبنان في الستينيات

المصدر : www.imlebanon.org

.