.

اراء و اقلام الدستور – هل تتمتع بيروت بشجاعة بغداد في محاربة الفساد؟ -1

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – هل تتمتع بيروت بشجاعة بغداد في محاربة الفساد؟ -1


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

وبينما يشهد العراق واحدة من أكبر حملات مكافحة الفساد منذ عام 2003، لا يزال لبنان يتأرجح بين وعود الإصلاح والتوترات السياسية التي تعيق أي مساءلة فعلية. ومن هنا يفرض السؤال: هل تتمتع بيروت بالجرأة السياسية والقضائية التي بدأت تظهر، ولو جزئياً، في بغداد؟ ولم يعد هذا الملف يقتصر على ملاحقة المخالفات المالية أو محاسبة المسؤولين والموظفين، بل أصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على فرض سيادة القانون وترسيخ هيبة المؤسسات واستعادة ثقة المواطنين. لا تنهار الدول عادة بسبب ندرة الموارد، بل عندما يتحول الفساد إلى ثقافة مؤسسية تقوض العدالة، وتضعف الثقة في المؤسسات، وتجعل من النفوذ السياسي وسيلة للإثراء غير المشروع.

ومؤخراً، ومع الإعلانات المتتالية للقضاء العراقي عن ضبط مبالغ مالية ضخمة ضمن تحقيقات تتعلق بملفات فساد، أبرزها القضية المنسوبة إلى وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، عاد ملف مكافحة الفساد إلى واجهة المشهد العراقي، ليثير جدلاً واسعاً حول ما إذا كانت البلاد قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة من الإصلاح الجاد، أم أن هذه الحملة ستبقى محصورة في نطاق محدود لا يؤثر على الدولة. البنية العميقة التي أدامت الفساد على مدى سنوات عديدة.

ولا شك أن إطلاق مثل هذه الحملة تطلب شجاعة غير مسبوقة من السلطات العراقية، على المستويين القضائي والتنفيذي، لأن مواجهة شبكات الفساد ليست مواجهة مع أفراد فحسب، بل مع أنظمة مصالح متشابكة تراكمت نفوذها السياسي والإداري والمالي على مدى سنوات طويلة. لذلك، فإن قرار المواجهة في حد ذاته يمثل رسالة مفادها أن الدولة بدأت تستعيد إرادتها في فرض القانون تدريجياً، بعيداً عن الحسابات الضيقة والاعتبارات الفئوية.

وقد تباينت التقديرات بشأن مدى نجاح هذه الحملة. هناك من يرى أن استمرار التحقيقات وإصدار أوامر الاعتقال بحق المسؤولين والنواب يمثل تطوراً مهماً يعكس وجود إرادة سياسية وقضائية حقيقية، بينما يرى آخرون أن النجاح لن يكتمل إلا إذا امتدت المحاسبة إلى جميع المتورطين، بغض النظر عن مناصبهم وانتماءاتهم، لأن العدالة الانتقائية تفقد تأثيرها وتعطي الفساد فرصة لإعادة إنتاج نفسه بأشكال جديدة.

لكن الأهم من تفاصيل الملفات القضائية هو ترسيخ مبدأ أن الإصلاح ليس حدثاً عابراً، بل هو مشروع دائم لبناء الدولة. يشكل الإصلاح الإداري والمالي والقضائي الضمانة الأساسية لاستمرارية الدول واستقرارها، ويؤسس لاقتصاد قادر على جذب الاستثمارات، وإدارة الموارد بكفاءة، وتحسين الخدمات العامة، ورفع مستوى معيشة المواطنين، وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة. لقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية الحقيقية تبدأ بسيادة القانون، وليس بوفرة الموارد وحدها.

ولعل ما يعطي الحملة الحالية أهميتها هو أنها تجاوزت المفهوم التقليدي لمكافحة الفساد الذي يقتصر على حماية المال العام، لتشمل أيضا الجرائم المالية المرتبطة بالقطاع الخاص، وأبرزها غسيل الأموال، واستغلال النفوذ الوظيفي، والإثراء غير المشروع، والتلاعب بمصادر الثروة. ولا تكمن المشكلة في كيفية إنفاق المال العام فحسب، بل وأيضاً في كيفية جمع الأموال الخاصة عندما تنتج عن الرشوة، أو الابتزاز، أو التهرب الضريبي، أو التجارة غير المشروعة، أو استغلال الفرد لمنصبه الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية، وهي أموال غير مشروعة ويطلق عليها تقليدياً “المال الأسود”.

تمثل مكافحة غسل الأموال اليوم أحد أهم معايير اندماج الدول في الاقتصاد العالمي، لأن الأموال غير المشروعة لا تهدد الاقتصاد الوطني فحسب، بل تفتح الباب أمام تمويل الجريمة المنظمة، وتهريب الأموال إلى الخارج، وتشويه المنافسة الاقتصادية، وإضعاف ثقة المستثمرين في بيئة الاستثمار. ومن هنا فإن نجاح العراق في تعزيز نظامه التنظيمي والمالي سيشكل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ الاستقرار الاقتصادي وتعزيز وضعه المالي إقليميا ودوليا.

ولا يمكن فصل مكافحة الفساد عن إصلاح البيئة السياسية والإدارية التي تسمح له بالظهور. ومع زيادة الشفافية، وتعزيز الرقابة البرلمانية، واستقلال القضاء، وتراجع الحصص في إدارة مؤسسات الدولة، ستقل المساحات التي ينمو فيها الفساد. ولذلك فإن نجاح أي حملة لا يقاس فقط بعدد المعتقلين، بل بقدرتها على بناء نظام يمنع تكرار الجريمة، ويسد الثغرات القانونية والإدارية التي يستغلها الفاسدون.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الإصلاح الحقيقي يتطلب إرادة سياسية حازمة، وقضاء مستقلا، وهيئات رقابية فاعلة، ورأي عام يؤمن بأن محاربة الفساد ليست معركة حكومة ضد أفراد، بل هي معركة وطن بأكمله من أجل حماية مستقبله.

ويتقاطع لبنان والعراق أيضاً على نقطة أساسية، وهي أن كلاً منهما يعيش في ظل نظام المحاصصة الطائفية والسياسية، الذي حوّل في كثير من الأحيان مؤسسات الدولة إلى حصص تتقاسمها القوى المؤثرة، بدلاً من أن تكون مؤسسات وطنية تعمل وفق معايير الكفاءة والمساءلة. ولذلك فإن أي حديث عن مكافحة الفساد في البلدين يصطدم بالسؤال نفسه: هل تستطيع الدولة محاسبة القوى التي تشكل جزءاً من بنيتها السياسية؟

وفي العراق، وصفت التقارير والآراء المتداولة المؤسسات الرقابية، التي من المفترض أن تراقب الفساد ومحاسبة مرتكبيه، بأنها تعاني من ضغوط سياسية تحد من فعاليتها واستقلاليتها. أما لبنان، فقد وصلت الأزمة المالية والمصرفية إلى مستوى غير مسبوق، بعد أن ظلت عشرات مليارات الدولارات من الودائع والالتزامات المالية عالقة منذ عام 2019، تزامنا مع الانهيار الكبير في قيمة العملة الوطنية وما رافقه من تراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين.

يستمر غدا

د. ابراهيم العرب

#هل #تتمتع #بيروت #بشجاعة #بغداد #في #محاربة #الفساد

هل تتمتع بيروت بشجاعة بغداد في محاربة الفساد؟ -1

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – هل تتمتع بيروت بشجاعة بغداد في محاربة الفساد؟ -1

المصدر : www.elsharkonline.com

.