.

“توقع الأسوأ” كآلية دفاع نفسية… هل يحمي الإنسان أم يضره؟

“توقع الأسوأ” كآلية دفاع نفسية… هل يحمي الإنسان أم يضره؟

دستور نيوز

عمان – “لماذا نتوقع الأسوأ؟” سؤال يجول في أذهان كثيرين يجدون أنفسهم يفكرون في النتائج السلبية والتوقعات السيئة عند انتظار خبر أو نتيجة معينة، أو عند مواجهة قرار قد يؤثر على مجرى حياتهم وقراراتهم المصيرية. وهي مشاعر الخوف والقلق الدائم التي تجعل توقعات بعض الناس رهينة الأسوأ، ربما نتيجة تجارب سيئة سابقة، أو لأن الإنسان يضع نفسه أمام سيناريوهات مختلفة ويختار الأسوأ منها حتى يتمكن من قبولها في كل الأحوال. والقدرة على التوقع مهارة تتطلب الخبرة والممارسة، بحسب ما أكده خبراء ومختصون لـ«الدستور نيوز»، مؤكدين على ضرورة الابتعاد عن المبالغات؛ فالخوف الناتج عن توقع الأسوأ قد يكون أشد ضرراً من التأثير السلبي ذاته على الإنسان. وتوقع الأسوأ في كل الأمور قد يضعف قدرة العقل على التفكير السليم والتصرف بحكمة وعقلانية، وهذا هو حال الشاب خالد رباح الذي تسيطر توقعاته السيئة على العديد من جوانب حياته المهنية والشخصية. لكن بحسب ما يذكره فإن الأمر تجاوز حدوده إلى حد العادة، ويشير إلى أنه كثيراً ما يردد “الله يسترنا مما هو آت”، متسائلاً “ما الذي يجعلني أتوقع الأسوأ في كل مرة وأخاف مما هو آت؟ هل ما يحدث لي مجرد عادة أم أنه تعبير عن قلق دائم؟”. من جهة أخرى، وجدت دينا عابد نفسها متجهة نحو الأسوأ في توقعاتها وهي تنتظر نتائج فحوصات ابنتها، رغم وجود العديد من السيناريوهات الطبية التي تؤكد أن الأمر قد يكون بسيطاً ومؤقتاً، إلا أنها ركزت على الاحتمال الأبعد وتوقعت الأسوأ، سيطر عليها الخوف والقلق وهي تنتظر النتائج، مما جعلها تعيش لحظات صعبة للغاية، ليس بسبب خطورة الحالة الطبية، بل لأن التوقعات السلبية والتفكير الدائم بالأسوأ أفقدها القدرة على التصديق أو حتى مهارة توقع الأفضل. ويشير أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطرنة إلى أن للإنسان وجهين لشخصيته: إيجابي ومتشائم. ويضيف أن الأشخاص الذين يمرون بتجارب سيئة في حياتهم نتيجة تراكمات عائلية واجتماعية تعزز السلبية، يتبنون في كثير من الأحيان مفاهيم بعيدة كل البعد عن الإيجابية، فالبيئات السلبية تغرس في الفرد عادة مفاهيم الخوف والرعب والقلق والترقب الحذر للمستقبل، ونتيجة لذلك يفتقر هؤلاء الأشخاص إلى المهارات والقدرات اللازمة لبناء المرونة النفسية، ويعانون من هشاشة نفسية تجعلهم عرضة للتشاؤم والتفكير السلبي المفرط، وبالتالي يستمرون في توقع الأسوأ ويعيشون في شك دائم بأن المستقبل سيكون قاتماً. وبحسب ماتارانا، يحتاج هؤلاء الأشخاص إلى تصحيح أحوالهم وتعديل طريقة تفكيرهم، لأن المفاهيم والأفكار التي يحملونها تنبع من صور لا شعورية تربوا عليها منذ الصغر، وتغذي هذه الصور توقعات قاتمة، لذلك فهم لا يتوقعون الإيجابية أبداً، مما يجعل حياتهم مليئة بالتشاؤم والضجيج. ويعتبر ماتارانا أن مبالغة الناس في توقع الأسوأ نوع من الاضطراب في التفكير يؤدي مع مرور الوقت إلى “الهوس” ورهاب المستقبل. لا يستطيع هؤلاء الأشخاص التكيف مع البيئة المحيطة بهم ولا يرون الجانب الإيجابي في العديد من جوانب الحياة. بالإضافة إلى ذلك، يبالغ هؤلاء الأشخاص في الأشياء والأحداث التي يتعرضون لها ويبالغون في توقعاتهم السيئة، مما يؤدي إلى ضغوط نفسية غير ضرورية، والتي قد تمنعهم من القيام بأشياء قد يستمتعون بها أو يتعلمون منها. يشير مطرنة إلى أن الأشخاص الواقعيين بشأن المستقبل هم أكثر استعدادًا لتجربة أشياء جديدة. وينصح بتجنب التفكير في السيناريوهات التي قد تؤثر سلبًا على الصحة العقلية. كما يؤكد على أهمية تذكير النفس بأن الأشياء التي نقلق بشأنها قد لا تحدث أبدًا. تؤكد دراسة نفسية حديثة نشرتها صحيفة الديلي ميل البريطانية أن الأشخاص الذين يميلون إلى المبالغة عندما يشعرون بالتوتر أو القلق يجب أن يتجنبوا اتخاذ القرارات في الليل، لأنهم غالبًا ما يشعرون بالقلق بشأن المستقبل، وعندما يكونون مستعدين للنوم، ينخفض ​​النشاط في الجزء العقلاني من دماغهم، ويزداد النشاط في الجزء الأكثر عاطفية من الدماغ؛ ونتيجة لذلك، يميلون إلى استخدام “الدماغ العاطفي” لتصور المستقبل عندما يكونون مستيقظين في الليل. من ناحية أخرى، تشير الدراسة إلى أن قلة النوم يمكن أن تجعلنا “أكثر حساسية للأشياء التي نراها تهديدًا. يمكن أن يؤدي هذا إلى تركيزنا بشكل أكبر على ما يمكن أن يحدث خطأ، ويجعلنا أكثر عرضة للتهويل”. يجب على الشخص أيضًا تجنب التفكير العاطفي. عندما يحدث شيء ما، حاول أن تتخيل الأشياء من منظور مختلف، أي حاول معرفة ما قد يقوله شخص آخر في موقف مماثل، وتحديدًا ما إذا كان الناقد الداخلي مفيدًا أو مبررًا. واللجوء إلى تخيل الأشياء بطريقة “ألطف” مع نفسك. تنصح الدراسة بضرورة التخيل بشكل إيجابي، حتى لو كانت الأمور قد سارت بشكل خاطئ في الماضي؛ فمن غير المرجح أن يكون هذا هو الحال في المستقبل. إذا كان لديك ميل إلى التهويل بشأن الأحداث المستقبلية، فحاول بدلاً من ذلك التفكير في “الطرق التي يمكن أن يسير بها هذا الحدث بشكل جيد، مما قد يساعدك على الشعور بقلق أقل”. ومن الطرق التي يمكن أن تساعد في التفاؤل “تخيل أو تأليف قصة” عما يمكن أن يحدث، ما يساعد في “تقليل مشاعر القلق أو التوتر، بينما يجب أن يكون الشخص أكثر لطفًا وتعاطفًا مع نفسه عند التفكير في مستقبله، والتعاطف يساعد في التعامل الجيد مع الآخرين”. إن النظر في عواقب الأمور والاستعداد لكل الاحتمالات أمر مهم للإنسان لتجنب المفاجآت والاستعداد لتحمل المشاق والصعوبات، وفقًا لمتخصص علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان، لكن المبدأ الأساسي هو أن يكون الإنسان دائمًا متفائلًا وبعيدًا عن التشاؤم. ويقصد سرحان بهذا “التفاؤل الواقعي” الذي يأمل فيه تحقيق الإيجابيات مع الوعي بالمخاطر المحتملة والمتوقعة، أي عدم التفاؤل المفرط الذي لا يرتكز على أسس، بينما “التفاؤل الخيالي” لا يرتكز على أسس منطقية ويتجاهل أي احتمالات سيئة أو غير مرغوب فيها. ويرى سرحان أن توقع الأسوأ في بعض الحالات مهم للاحتراس من النتائج الأصعب، لكن هذا في الأمور والمواقف الكبرى والضرورية التي لها تأثيرات كبيرة على الشخص أو أسرته. إن ما يفعله بعض الناس بتوقع الأسوأ في كل الأحوال يؤدي إلى التوتر ويفقد الإنسان القدرة على التصرف السليم واتخاذ القرار المناسب، ومن المهم موازنة الأمور والتوقعات، وهنا يجب ممارسة العقل والتفكير المنطقي الذي يرتكز على الحقائق دون مبالغة أو استخفاف، فالمبالغة لها مخاطرها كما أن الاستخفاف كذلك، بحسب سرحان. يقول سرحان: “يجب على الإنسان أن يوازن بين الفرص والمخاطر المحيطة به، والنظرة الواقعية مهمة، فالمبالغة في المخاطر قد تجعل الإنسان يضيع الفرص المتاحة”، مشيراً إلى أن التفكير السلبي غير المبالغ فيه يدفع الإنسان إلى التخطيط لمواجهة الصعوبات وتجنب المفاجآت، ويتابع: “الأهم من ذلك هو العمل على تجنب المشكلة قبل حدوثها، أي تجنب حدوث الأسوأ واتخاذ الاحتياطات وإعداد النفس لتجنب حدوثه”. ويوضح سرحان أهمية أن يقوم الإنسان بما يستطيع في إطار التخطيط السليم والوعي والفهم لكل أمور حياته، ثم يتخذ قراره، وفي نفس الوقت يكون مستعداً لقبول النتيجة السلبية وغير المرغوبة. وهنا يكون الرضا والاطمئنان والقبول من صفات المؤمن، ولا ينبغي أن يكون وقوع الأسوأ سبباً لليأس أو فقدان الأمل أو عدم المحاولة مرة أخرى أو الاعتماد على العشوائية وعدم التخطيط.

“توقع الأسوأ” كآلية دفاع نفسية… هل يحمي الإنسان أم يضره؟

– الدستور نيوز

.