دستور نيوز
المحامي أسامة العرب
لم يكن وصول آندي بورنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية مجرد انتقال عادي للسلطة داخل حزب العمال. بل كان تتويجا لتحولات سياسية عميقة فرضتها سنوات من عدم الاستقرار، وتراجع الثقة في النخب التقليدية، وتصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي أصابت المملكة المتحدة منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، مرورا بجائحة كورونا، وصولا إلى أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، يكتسب صعود برنهام دلالات تتجاوز شخصه، فهو يعكس محاولة حزب العمال إعادة تعريف مشروعه السياسي بعد تراجع شعبية حكومة كير ستارمر، من خلال تقديم قيادة تتمتع بخبرة تنفيذية محلية ورؤية مختلفة لإدارة الدولة.
يتولى برنهام رئاسة الوزراء في لحظة حرجة من التاريخ البريطاني، وهي اللحظة حيث تتشابك الأزمات الاقتصادية مع الانقسامات الإقليمية، وحيث تتزايد المطالبات بإعادة توزيع السلطة والثروة بين العاصمة لندن وبقية المناطق. ولذلك، لا يمكن قراءة برنامجه الحكومي باعتباره مجرد حزمة من الوعود الانتخابية، بل كمشروع لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة المركزية والمجتمع البريطاني.
ويبدو أن الفكرة المركزية التي يقوم عليها مشروع برنهام هي إعادة بناء الدولة البريطانية من الأطراف إلى المركز، بدلا من الاستمرار في النموذج التقليدي الذي جعل لندن مركزا لصنع القرار السياسي والاقتصادي والإداري لعقود طويلة. وخلال توليه منصب عمدة مدينة مانشستر الكبرى، ارتبط اسمه بالدفاع عن قوى المدن والمناطق، ونجح في ترسيخ صورة السياسي الذي يعتقد أن التنمية الحقيقية لا يمكن تحقيقها في ظل تركز السلطة في العاصمة.
ومن هنا يقترح برنهام ما يمكن وصفه بأكبر مشروع لامركزية سياسية وإدارية في بريطانيا منذ عقود، من خلال منح السلطات المحلية صلاحيات أوسع في مجالات الإسكان والنقل والتنمية الاقتصادية والتعليم والتدريب المهني، فضلاً عن إنشاء مركز حكومي في مانشستر يتولى إدارة عدد من الملفات الوطنية، وهو ما يرمز إلى النقل التدريجي لبعض وظائف الدولة من لندن إلى شمال إنجلترا. وإذا نجح هذا المشروع، فقد يعيد رسم الخريطة المؤسسية للمملكة المتحدة ويخفف من الفوارق التنموية التي ظلت أحد أبرز مصادر التوتر السياسي والاجتماعي.
وعلى الجانب الاقتصادي، يبتعد برنهام عن النهج الليبرالي الذي اعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات والقطاع المالي، متبنى رؤية تقوم على إنعاش الاقتصاد الإنتاجي. ويرى أن تحسين مستويات المعيشة لا يتحقق من خلال إجراءات مالية مؤقتة، بل من خلال إعادة بناء القاعدة الصناعية البريطانية، ودعم القطاعات الاستراتيجية مثل صناعة الصلب والطاقة والدفاع والزراعة والصناعات الغذائية، مع تشجيع الاستثمارات في المناطق التي عانت من التراجع الصناعي خلال العقود الماضية.
وتكشف هذه الرؤية عن محاولة استعادة دور الدولة في توجيه التنمية الاقتصادية، من خلال ربط السياسة الصناعية والأمن القومي، بحيث تصبح زيادة الإنفاق الدفاعي أداة لدعم الصناعة المحلية، وخلق فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب. وهو نهج يعكس اتجاها متزايدا في عدد من الاقتصادات الغربية نحو إعادة تأهيل التصنيع الوطني في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية.
وعلى المستوى الاجتماعي، تعلن حكومة برنهام بوضوح أن أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة ستكون على رأس أولوياتها. وتعهد رئيس الوزراء الجديد باتخاذ إجراءات عاجلة لمنح الأسر البريطانية متنفسا في مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة، إضافة إلى إطلاق خطة عشرية لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتبرز قضية الإسكان كأحد أهم ركائز هذا البرنامج، إذ تعهد برنهام بإطلاق أكبر مشروع للإسكان الاجتماعي منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مستفيدًا من الأراضي العامة غير المستخدمة لتقليل تكاليف البناء. كما تتبنى سياسة “السكن أولاً” المستوحاة من التجربة الفنلندية، والتي تقوم على اعتبار توفير السكن الدائم خطوة أساسية في معالجة مشاكل التشرد وما يرتبط بها من تحديات صحية ونفسية واجتماعية.
وفي قطاع التعليم، يدعو برنهام إلى إحياء التعليم الفني والمهني، وإعطائه نفس مكانة التعليم الجامعي، مع توسيع برامج التدريب وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتوفير فرص أكبر للشباب، خاصة في ظل ارتفاع أعداد من هم خارج التعليم والعمل والتدريب، وهي الظاهرة التي أصبحت أحد التحديات الهيكلية لسوق العمل البريطاني.
ولا يقل ملف الرعاية الاجتماعية تعقيداً عن بقية الملفات، إذ يواجه النظام ضغوطاً متزايدة نتيجة شيخوخة السكان، ونقص العمالة، وارتفاع تكاليف الخدمات. ويعترف برنهام بأن هذا القطاع يحتاج إلى إصلاح جذري، لكن نجاحه سيظل مرهونا بقدرته على إيجاد مصادر تمويل مستدامة دون مخالفة القواعد المالية التي التزم بها حزب العمال، وأبرزها عدم زيادة الضرائب على العمال وعدم اللجوء إلى الاقتراض لتمويل الإنفاق الجاري.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، لا يبدو أن حكومة برنهام على وشك إحداث ثورة في التوجهات الاستراتيجية لبريطانيا. بل ستواصل دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، وتعزيز التعاون مع الحلفاء الأوروبيين، وخاصة في مجالات الدفاع والأمن. إلا أنها قد تتبنى خطاباً أكثر صرامة تجاه إسرائيل فيما يتعلق بالحرب في غزة، وهو ما يعكس اتجاهاً داخل قطاعات واسعة من حزب العمل يطالب بسياسة خارجية أكثر توازناً تجاه قضايا الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه برنهام لا يكمن في صياغة الرؤية، بل في القدرة على تنفيذها. وتواجه بريطانيا تباطؤا اقتصاديا وارتفاع الدين العام وزيادة الضغوط على الخدمات العامة، فضلا عن التزامات مالية كبيرة في مجالات الدفاع والرعاية الصحية. ويعكس صعود حزب “الإصلاح في المملكة المتحدة” أيضاً تحولاً في المزاج الانتخابي، الأمر الذي يجعل مجال المناورة المتاح للحكومة الجديدة محدوداً، ويضعها تحت الضغوط لتحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة.
ومن الناحية السياسية، يدرك برنهام أن مجرد تغيير القيادة لن يكون كافياً لاستعادة ثقة الناخبين البريطانيين. بل إن نجاحه سوف يعتمد على إقناع الرأي العام بأن حكومته تمثل تحولاً حقيقياً في الحكم، وليس مجرد امتداد لحكومة حزب العمال السابقة. ولذلك فإن الأشهر الأولى من ولايته ستكون حاسمة في اختبار قدرته على تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
وفي الختام، يمثل آندي بورنهام مثالاً على الاتجاه داخل حزب العمال الذي يسعى إلى التوفيق بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، ودور الدولة في قيادة التنمية وضرورة الحفاظ على الانضباط المالي. ويعكس برنامجه محاولة لإعادة بناء العقد الاجتماعي البريطاني من خلال تعزيز اللامركزية، وإحياء الصناعة الوطنية، والاستثمار في الإسكان والخدمات العامة، مع إعادة توزيع فرص التنمية بين مختلف مناطق المملكة المتحدة.
إلا أن نجاح هذا المشروع سيبقى مرهونا بقدرته على التغلب على القيود المالية والسياسية التي حدت من طموحات الحكومات البريطانية المتعاقبة. وإذا تمكن من تحويل رؤيته إلى نتائج ملموسة، فقد يشهد المشهد البريطاني بداية مرحلة جديدة تعيد تشكيل توازنات الدولة والاقتصاد والمجتمع. لكن إذا اصطدمت وعوده بالواقع المالي والانقسامات السياسية، فقد تجد حكومته نفسها في مواجهة المصير نفسه الذي واجه العديد من سابقاتها، حيث تتهاوى الطموحات في مواجهة قيود الحكم وتعقيدات السياسة البريطانية.
المحامي أسامة العرب
#برنهام #رئيسا #لوزراء #بريطانيا #هل #يؤسس #لعقد #جديد
برنهام رئيساً لوزراء بريطانيا: هل يؤسس لعقد جديد؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – برنهام رئيساً لوزراء بريطانيا: هل يؤسس لعقد جديد؟
المصدر : www.elsharkonline.com
