.

اراء و اقلام الدستور – مفاوضات روما.. هل يدخل «الاتفاق الإطاري» مرحلة التنفيذ؟

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – مفاوضات روما.. هل يدخل «الاتفاق الإطاري» مرحلة التنفيذ؟


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

تشكل الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، المنعقدة في العاصمة الإيطالية روما، محطة سياسية وأمنية محورية في عملية تنفيذ التفاهمات المبرمة برعاية الولايات المتحدة. ولا تُقرأ هذه الجولة على أنها لقاء فني أو دبلوماسي فحسب، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الوسطاء الدوليين على نقل «الاتفاق الإطاري» من نطاق الالتزامات النظرية إلى نطاق التنفيذ العملي، في ظل تشابك التعقيدات الميدانية والسياسية وانعدام الثقة بين الطرفين.

ولخيار روما دلالات تتجاوز البعد اللوجستي، فهو يعكس رغبة أميركية في توسيع قاعدة الرعاية الدولية للمفاوضات، وإضافة بعد أوروبي أوضح إلى الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في جنوب لبنان. وتمثل إيطاليا بحكم دورها المحوري ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، شريكا قادرا على توفير مظلة سياسية داعمة للمسار التفاوضي، خاصة في ظل الاهتمام الأوروبي المتزايد بأمن شرق البحر الأبيض المتوسط ​​باعتباره جزءا لا يتجزأ من المنظومة الأمنية الأوروبية والدولية.

وتأتي هذه الجولة تنفيذاً لما نص عليه اتفاق الإطار بشأن تشكيل لجان فنية وسياسية تتولى متابعة تنفيذ بنوده، بما في ذلك الترتيبات الأمنية وآليات الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة المسائل الفنية واللوجستية المتعلقة بخط وقف الأعمال القتالية. ومن هنا فإن المفاوضات الحالية لا تؤسس لاتفاق جديد، بل من المفترض أن تناقش آليات تنفيذ اتفاق قائم، وهو فرق قانوني وسياسي مهم جداً، لأن أي نقاش يتجاوز هذه الحدود من شأنه أن يغير طبيعة الاتفاق وأهدافه.

إلا أن نجاح هذا المسار يظل مرهونا بمدى التزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها. ولا تشير المؤشرات الميدانية حتى الآن إلى وجود استعداد إسرائيلي للانسحاب الكامل من المناطق التي لا تزال تحتلها. بل يبدو أن التوجه الإسرائيلي يقوم على إدارة الالتزامات وفق اعتبارات أمنية خاصة، وليس وفق النصوص المتفق عليها. لذلك، لا يزال الانسحاب يطرح كإجراء مشروط وقابل للمراجعة، مع احتفاظ إسرائيل بحق العودة إلى المناطق التي تنسحب منها متى رأت أن الظروف الأمنية تتطلب ذلك، مما يفقد الانسحاب قيمته القانونية والسيادية، ويحوله إلى إجراء عسكري مؤقت وليس تنفيذا فعليا للاتفاق.

وتزداد الصورة تعقيداً مع الجدل الدائر حول ما يعرف بـ«المناطق التجريبية»، الذي بحثه وفد عسكري أميركي مع قيادة الجيش اللبناني تمهيداً لتنفيذ نموذج أولي للانسحاب والانتشار قبل زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن. ورغم أن هذا الملف منفصل فنياً عن اجتماعات روما، إلا أن نجاحه أو فشله سيكون له تأثير مباشر على المناخ السياسي للمفاوضات، لأن أي فشل في تنفيذ المرحلة التجريبية سيؤكد استمرار الفجوة بين التعهدات السياسية والحقائق الميدانية.

وتشير المعلومات إلى أن لبنان أنهى استعداداته العسكرية والإدارية لهذه المرحلة، حيث أعد الجيش اللبناني خطط الانتشار والوحدات المكلفة بتولي المسؤولية فور الانسحاب الإسرائيلي، وهو ما يعكس جاهزية المؤسسات اللبنانية لتحمل مسؤولياتها الأمنية كاملة. لكن هذا الاستعداد يبقى رهينة القرار السياسي الإسرائيلي الذي لم يحدد بعد طبيعة المناطق التي يشملها الانسحاب ولا جدوله الزمني وآليات تنفيذه.

في المقابل، يرفض لبنان بشكل قاطع أي محاولة لربط الانسحاب الإسرائيلي بأوضاع سياسية تتعلق بملفات داخلية، أبرزها ملف سلاح حزب الله. وينطلق الموقف اللبناني الرسمي من مبدأ قانوني واضح، ينص على أن تنفيذ الاتفاق يبدأ بانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية، مما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار الكامل وممارسة صلاحياته السيادية، فيما تتم معالجة القضايا الداخلية وفق الآليات الدستورية اللبنانية، بعيداً عن أي ضغوط أو مقتضيات خارجية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية في ظل توجهات العهد الجديد بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي جعل من استعادة سلطة الدولة وتعزيز حضور المؤسسات الشرعية عنواناً أساسياً لبرنامجه السياسي. وتسعى الدولة اللبنانية إلى ترسيخ مفهوم احتكار السلطة الشرعية لوسائل القوة، لكن من خلال مقاربة وطنية تدريجية تحفظ الاستقرار الداخلي ولا تسمح بأن يتحول هذا الملف إلى أداة للابتزاز السياسي أو ذريعة لتأجيل تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.

ومن هنا فإن جوهر الأزمة لم يعد يقتصر على مسألة الانسحاب من بعض النقاط الحدودية، بل يتعلق بطبيعة الرؤية الإسرائيلية لاتفاق الإطار نفسه. وهناك انطباع متزايد لدى الأوساط السياسية والدبلوماسية بأن تل أبيب تتعامل مع الاتفاق كوسيلة لإدارة الصراع والتحكم في إيقاعه، وليس إطارا لإنهائه نهائيا. وهذا ما يفسر استمرار العمليات العسكرية، والمماطلة في تنفيذ الالتزامات، ومحاولة إعادة تفسير بعض البنود بما يخدم الأولويات الأمنية الإسرائيلية.

وبالتوازي مع ذلك، تبرز الحركة الأوروبية كعنصر جديد قد يؤثر على مستقبل المفاوضات. يعكس الإعلان عن نية ألمانية فرنسية لإطلاق مبادرة مشتركة لدعم السلام في لبنان وعياً أوروبياً متزايداً بأن استقرار لبنان لم يعد مسألة محلية أو إقليمية فحسب، بل أصبح جزءاً من المعادلة الأمنية الأوروبية، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط. وإذا نجحت باريس وبرلين في تنسيق جهودهما مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة، فقد يساهم ذلك في توفير شبكة ضمانات دولية تعزز فرص تنفيذ الاتفاق وتحد من احتمالات العودة إلى التصعيد.

على المستوى الاستراتيجي، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تحقيق تقدم ملموس قبل زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن، مدركة أن أي نجاح في تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق سيمنح الإدارة الأميركية إنجازا دبلوماسيا إضافيا في منطقة تشهد تحولات سريعة، كما سيعزز موقف الدولة اللبنانية في إدارة ملف الحدود عبر مؤسساتها الشرعية وأبرزها الجيش اللبناني.

لكن في المقابل، فإن استمرار إسرائيل في ربط الانسحاب بشروط سياسية وأمنية إضافية، سيؤدي إلى إفراغ اتفاق الإطار من مضمونه وتحويله إلى مجرد إطار تفاوضي مفتوح يسمح بإدارة الأزمة دون حلها. ومن ثم ستتحول جولات التفاوض المتعاقبة إلى عملية تفاوض لا نهاية لها، تتقدم شكلياً وتتراجع عملياً، في حين يبقى الواقع على الأرض على حاله.

تمثل الجولة السادسة من مفاوضات روما لحظة محورية في مسار العلاقة بين النصوص القانونية والواقع السياسي. وإذا نجح الوسطاء في إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، وخاصة الانسحاب الفعلي وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل، فإن اتفاق الإطار سيكون قد دخل بالفعل مرحلة التنفيذ، مما يرسي واقعا أمنيا أكثر استقرارا ويعزز سيادة الدولة اللبنانية.

لكن إذا استمرت إسرائيل في إعادة تفسير الاتفاق وفق اعتبارات أمنية أحادية، وربط تنفيذه بشروط تتجاوز نصوصه الأصلية، فإن روما لن تكون إلا محطة جديدة في العملية الطويلة لإدارة الأزمة، وليس على طريق حلها. وحينها سيبقى اتفاق الإطار وثيقة سياسية معلقة بين إرادة التنفيذ وحسابات القوة، في حين سيظل الاستقرار في جنوب لبنان مرهونا بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الضمانات الدبلوماسية إلى التزامات عملية ملزمة، لأن السلام الحقيقي لا يقاس بعدد جولات التفاوض، بل بمدى احترام الاتفاقات وتنفيذها بحسن نية، وفقا لقواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة المتبادلة.

د. ابراهيم العرب

#مفاوضات #روما. #هل #يدخل #الاتفاق #الإطاري #مرحلة #التنفيذ

مفاوضات روما.. هل يدخل «الاتفاق الإطاري» مرحلة التنفيذ؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – مفاوضات روما.. هل يدخل «الاتفاق الإطاري» مرحلة التنفيذ؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.