.

اراء و اقلام الدستور – بين رماد السياسة وجمر الخدمات.. المواطن هو من يحترق

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – بين رماد السياسة وجمر الخدمات.. المواطن هو من يحترق


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى

وبين تعقيدات الملفات السياسية وضغوط الحياة اليومية، يبقى السؤال الأهم: لماذا تفشل الدولة في توفير الكهرباء والماء وغيرها من حقوق المواطن الأساسية؟

لا شك أن الدولة تواجه قضايا سياسية معقدة للغاية تفوق قدرتها على التعامل معها في الظروف الحالية، وأن الكثير من الأزمات المتراكمة هي نتيجة سنوات طويلة من الصراعات والانقسامات والتدخلات الخارجية التي أثرت على القرار الوطني وأعاقت قيام دولة قادرة على العمل بشكل طبيعي.

هذه القضايا، مهما اختلفت الآراء حول أسبابها ومسؤولياتها، تحتاج إلى ظروف سياسية وتوافقات قد لا تكون متوافرة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة.

لكن ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يجوز أن تصبح صعوبة حل القضايا السياسية الكبرى مبرراً لإهمال شؤون المواطنين؟ فهل من المعقول أن يبقى المواطن هو وحده الذي يدفع الثمن؟

وحتى لو أعطينا الدولة أسباباً مخففة لعدم قدرتها على معالجة القضايا السياسية الكبرى، فإن ذلك لا يعفيها بأي حال من الأحوال من مسؤولياتها الأساسية تجاه أبسط حقوق المواطنين.

إن الدولة التي تواجه صعوبة في حل أزمة سياسية معقدة ينبغي لها، على أقل تقدير، أن تكون قادرة على تأمين الكهرباء والمياه، وصيانة الطرق، وتنظيم حركة المرور، ومعالجة فوضى الدراجات النارية، وتنفيذ القوانين التي تحمي الناس في حياتهم اليومية.

والمفارقة أن الطبيعة نفسها قدمت هذا العام ما عجزت الدولة عن تقديمه.

شهد لبنان أمطارا غزيرة وفرت كميات كبيرة من المياه، لكن أزمة المياه مستمرة، وكأن غزارة الأمطار لم تغير شيئا في واقع إدارة المياه.

فأين السدود التي كلفت الخزينة مبالغ طائلة؟ أين ذهبت الخطط والمشاريع التي وُعد اللبنانيون بتأمين احتياطي مائي يحمي البلاد من أزمات الشحة والجفاف؟

وليس من الطبيعي أن نرى مئات الصهاريج تجوب الشوارع يومياً تبيع المياه للمواطنين، وكأن الحصول على المياه أصبح تجارة تفرض ضغوطاً مالية إضافية على الناس، بدلاً من أن يكون حقاً أساسياً تكفله الدولة.

إن اللبنانيين الذين يرزحون تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الخانقة، ويعانون من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، لم يعد بإمكانهم تحمل أعباء جديدة تضيف إلى معاناتهم.

إن أزمة المياه ليست مجرد خلل في خدمة عامة، بل هي مثال واضح على غياب التخطيط وضعف الإدارة وغياب المساءلة.

وملف الكهرباء لا يختلف كثيراً عن هذا، إذ أصبح من أكثر الملفات إيلاماً للمواطن اللبناني.

ومن غير المقبول أن يبقى أمن الطاقة أزمة مزمنة في بلد يملك القدرة والإمكانات لإيجاد حلول مستدامة، فيما يضطر المواطن إلى دفع ثمن الكهرباء مرتين، بين فاتورة الدولة والاشتراك في المولدات الخاصة، للحصول على أحد أبسط حقوقه.

وعلى الطرقات، المشهد ليس أقل قسوة.

الفوضى المرورية وانتشار الدراجات النارية دون تنظيم ورقابة كافية، أصبحت تشكل خطراً يومياً على السائقين والمشاة، وحتى على أصحاب هذه الدراجات أنفسهم.

المشكلة ليست في وجود هذه الوسيلة، فهي مصدر رزق ووسيلة نقل لآلاف المواطنين، بل في غياب الرقابة وتطبيق القوانين التي تضمن حماية الأرواح والأمن المروري للجميع.

إن تنظيم حركة الدراجات النارية وفرض شروط السلامة ومحاسبة كل من يعرض حياة الآخرين للخطر هي مسؤولية مباشرة تقع على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية والإدارية، ولا تحتاج إلى توافق سياسي أو انتظار حل جميع أزمات البلاد.

ولا تقتصر مسؤولية الدولة على تنظيم المرور وملاحقة المخالفات، بل تمتد إلى حماية حياة المواطنين من كل ما يهدد سلامتهم من الحفر والمطبات في الطرق.

ومن أبرز مظاهر الإهمال أيضاً، بعض الشاحنات التي تجوب الطرقات بسرعات عالية وهي محملة بمختلف أنواع البضائع، دون الالتزام بشروط السلامة أو تأمين حمولتها بالشكل المطلوب.

ويشكل مشهد شاحنة محملة بمواد أو معدات غير مربوطة بشكل آمن خطراً حقيقياً على حياة المواطنين. قد يؤدي أي عطل أو فقدان جزء من الحمولة أو وقوع حادث مفاجئ إلى عواقب وخيمة على السائقين والمشاة ومستخدمي الطريق الآخرين.

إن مراقبة هذه الشاحنات وضمان سلامة حمولتها وإنفاذ الامتثال لقواعد المرور والسلامة العامة ليست إجراءات ثانوية، بل هي المسؤولية الأساسية للدولة وقوات الأمن لحماية الأرواح والحفاظ على السلامة العامة.

ومن المؤسف أيضاً أن يضطر المواطنون إلى عبور الطرق السريعة والخطيرة سيراً على الأقدام للانتقال من جهة إلى أخرى، مما يعرض حياتهم وحياة الآخرين للخطر في كل لحظة.

إن إنشاء جسور المشاة في الأماكن التي تشهد حركة مرور كثيفة ليس مشروعاً ترفيهياً ولا أمراً ثانوياً. بل هي إحدى أساسيات التخطيط الحضري وركيزة أساسية لحماية الأرواح.

وكما تهتم الدول بتنظيم الطرق لخدمة حركة المركبات، ينبغي لها أن تتذكر أن البشر يظلون الهدف الأساسي لأي تخطيط للطرق، وأن سلامتهم يجب أن تظل أولوية قصوى.

إن خسارة ضحية واحدة بسبب غياب جسر للمشاة، أو نتيجة سوء تنظيم المرور، هو ثمن باهظ كان يمكن تجنبه بقرار مسؤول وشرعي واضح.

ولا تتطلب هذه المشاريع اتفاقيات سياسية معقدة، بل تتطلب رؤية تعتبر حياة الإنسان قيمة عليا لا ينبغي الاستهانة بها.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في الأزمات الكبرى وحدها، بل في شعور المواطن بغياب الدولة عن التفاصيل اليومية التي تشكل نوعية حياته.

عندما يبحث اللبنانيون عن الكهرباء والماء، ويسيرون على طرقات غير آمنة، ويرون المخالفات ترتكب أمام أعينهم دون رادع، فإنهم لا يشعرون بوجود أزمة خدمات فحسب، بل يشعرون أيضاً بغياب مفهوم الدولة نفسها.

إن بناء الدولة لا يبدأ فقط بحل القضايا السياسية الكبرى، بل يبدأ أيضاً باحترام المواطن والحفاظ على كرامته وتأمين حقوقه الأساسية في حياته اليومية.

الدولة القوية هي التي تطبق القانون بعدالة على الجميع، وتنظم الشارع، وتحمي الناس، وتوفر لهم متطلبات العيش الكريم.

قد تكون هناك ملفات سياسية تحتاج إلى وقت طويل وحلول معقدة، لكن هناك ملفات أخرى لا تحتاج إلا إلى قرار واضح، وإرادة صادقة للتنفيذ، وإدارة مسؤولة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.

وفي الختام، فإن الدولة التي تهتم بتفاصيل حياة الناس، وتحمي حقوقهم، وتؤدي واجباتها بعدالة وكفاءة، هي وحدها القادرة على كسب ثقة مواطنيها.

ديفيد عيسى

#بين #رماد #السياسة #وجمر #الخدمات. #المواطن #هو #من #يحترق

بين رماد السياسة وجمر الخدمات.. المواطن هو من يحترق

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بين رماد السياسة وجمر الخدمات.. المواطن هو من يحترق

المصدر : www.elsharkonline.com

.