.

اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_مفهوم خلق الغفلة في الإسلام

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_مفهوم خلق الغفلة في الإسلام


دستور نيوز

المهندس بسام برغوت

فالجهل من الأخلاق الرفيعة التي دعا إليها الإسلام، والتي تدل على كمال العقل، وسعة الأفق، وحسن التعامل مع الآخرين. ولا يعني الإهمال أو الجهل أو التنازل عن الحقوق، بل يعني تجاهل بعض الزلات والهفوات التي لا يترتب عليها ضرر كبير، سعيا إلى الإصلاح والحفاظ على الألفة والمحبة بين الناس. وكانت هذه الشخصية من صفات الأنبياء والصالحين، وهي من أهم أسباب استمرار واستقرار العلاقات الأسرية والاجتماعية، التي تبني مجتمعاً متماسكاً يسوده التسامح والتسامح.

والإهمال دليل على قوة الشخصية وليس ضعفها، فالإنسان القوي هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويغفل عن أتفه الأمور، ويبحث عن الخير في الناس بدلاً من تتبع أخطائهم.

والمقصود بالتجاهل هو أن يرى الإنسان خطأ أو تقصيرا، ولكنه يتعمد عدم الالتفات إليه إذا كان التغاضي عنه أفضل وأقرب لتحقيق المصلحة. وليس هو قبول الباطل أو السكوت عن الظلم، بل ترك التدقيق في الهفوات التي تحدث بحكم الطبيعة البشرية، لأن الكمال لله تعالى وحده، وكل إنسان معرض للخطأ والنسيان.

وقد حث الإسلام على العفو والعفو، كما قال الله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (سورة الأعراف). كما قال الله تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفِرُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (سورة النور). فهذه الآيات تدل على أن العفو والتسامح من أسباب نيل مغفرة الله عز وجل، وأن الإعراض عن المعاصي أحياناً يكون خلقاً محموداً.

وكان النبي وصلى الله عليه وسلم أفضل قدوة في التجاهل للناس، إذ عُرف بالحلم والعفو. كان يعامل الناس بالرفق والرفق، ويغفر الكثير من الأخطاء التي لا تمس الدين ولا حقوق الآخرين. ولم يبحث عن عيوب الناس ولا يفضحهم، بل كان ينصحهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويحفظهم، ويمنحهم فرصة للتوبة والإصلاح، ولهذا أحبه أصحابه، وقلدوا أخلاقه الكريمة.

ويظهر تأثير الإهمال واضحا داخل الأسرة، إذ يعيش الزوجان حياة طويلة لا تخلو من الأخطاء أو النقائص، ولو توقف كل منهما عند كل كلمة أو فعل صغير لتحولت الحياة إلى خلافات مستمرة. أما إذا تجاهل كل منهما الأخطاء البسيطة وحاولا تعويضها بالحكمة، فستبقى المودة والرحمة بينهما، وتستمر الحياة الأسرية في جو من الاستقرار والمحبة.

الأمر نفسه ينطبق على تربية الأطفال. لا يبالغ الآباء الحكماء في تحميل أبنائهم مسؤولية كل خطأ صغير، بل يرشدونهم بلطف ويتجاهلون بعض السلوكيات التي تختفي مع مرور الوقت والتربية الصالحة. وهذا الأسلوب يغرس الثقة في نفوس الأبناء، ويجعلهم أقرب إلى والديهم، ويشجعهم على الاعتراف بأخطائهم دون خوف.

وفي المجتمع أيضاً، للإهمال آثار عظيمة، فهو يقلل من الخصومات، ويطفئ نار الفتن، ويقوي أواصر الأخوة بين المسلمين. فالشخص الذي يتتبع أخطاء الناس ويحاسبهم على كل كبيرة وصغيرة له أعداء كثيرون ويعيش في قلق دائم. أما من يتجاهل الأخطاء ويسامح عندما يتمكن من ذلك فإنه ينال محبة الناس واحترامهم.

قال بعض الحكماء: «ليس الكريم من لا يُساء إليه، ولكن الكريم الذي إذا أُسيء إليه تجاهل». وتبين هذه الحكمة أن الإهمال يتطلب الصبر وحسن الخلق، وأنه كلما زاد ذكاء الإنسان وحكمته، زادت قدرته على التغلب على الأمور الصغيرة التي لا تستحق الصراع.

ومع ذلك، فإن الإهمال له حدود. ولا ينبغي أن يكون سببا لضياع الحقوق، أو انتشار الظلم، أو السكوت على المنكر. وإذا كان الأمر يتعلق بحقوق الناس، أو بأحكام الدين، أو بظلم الناس، وجب إنكار المنكر وطلب الإصلاح بالطرق المشروعة. ولذلك فإن المسلم يوازن بين التفريط المحمود والحزم المطلوب. فهو يتجاهل الهفوات الشخصية، لكنه لا يتجاهل الذنوب التي تتطلب النصيحة أو الحقوق التي يجب الحفاظ عليها.

ومن الغفلة المحمودة أن يغفل الإنسان عن كلمة قالها في لحظة غضب، أو نسيان وقع من صديق، أو خطأ غير مقصود من قريب أو جار، ولا يجعل هذه الأمور سبباً لقطيعة العلاقات أو نشر العداوة. كما أن الإهمال يمنع من انتشار الغيبة والنميمة، فإن من تغافل عن أخطاء غيره لم يكلف نفسه عناء ذكرها بين الناس.

وللجهل فوائد كثيرة، فهو يريح النفس من كثرة التفكير في أخطاء الآخرين، ويزيد المحبة بين الناس، ويقوي العلاقات الاجتماعية، ويعطي الإنسان مكانة جيدة في المجتمع. كما أنه يربي النفس على الصبر والحلم، ويجعل صاحبها قريباً من أخلاق الأنبياء والصالحين الذين عاملوا الناس بالرحمة والإحسان.

فإذا جعل المسلم الإهمال منهجًا في حياته، عاش راضيًا القلب، قليل المشاجرات، محبوبًا بين الناس، لأنه لا يحمل في صدره حقدًا، ولا يتوقف عند كل زلة، بل يلتمس الأعذار، ويحرص على جبر الضرر. وهذا لا يعني ترك النصيحة، بل يعني اختيار الوقت والطريقة المناسبة بعيداً عن القذف والسب.

ختاماً،

والتغافل من أعظم الأخلاق الإسلامية التي تجمع بين الحكمة والرحمة، وهو دليل على قوة الإيمان وسلامة العقل. وقد دعا الإسلام إلى الالتزام به لأنه يصلح النفوس، ويقوي العلاقات، وينشر المحبة والتسامح بين أفراد المجتمع. والمسلم الحقيقي هو من قلد رسول الله وصلى الله عليه وسلم ويتجاهل في حلمه وعفوه الأخطاء التي لا يترتب عليها فساد، ويعامل الناس بالرفق والإحسان، راجيا رضا الله تعالى وثوابه، سائلا الله أن يحسن خلقه، وأن يجعله من أهل العفو والعفو والإحسان.

المهندس بسام برغوت

#حديث #الجمعة_مفهوم #خلق #الغفلة #في #الإسلام

حديث الجمعة_مفهوم خلق الغفلة في الإسلام

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة_مفهوم خلق الغفلة في الإسلام

المصدر : www.elsharkonline.com

.