.

اراء و اقلام الدستور – الولايات المتحدة في ربع ألفية الاستقلال بين القيادة والشراكة

سامر الشخشير6 يوليو 2026
اراء و اقلام الدستور – الولايات المتحدة في ربع ألفية الاستقلال بين القيادة والشراكة


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

ومع حلول الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية، لا تبدو المناسبة مجرد محطة تاريخية تستذكر فيها قوة عظمى ذكرى تأسيسها، بل تشكل فرصة للتأمل في مسار القوة الأميركية، وفي طبيعة النظام الدولي الذي ساهمت واشنطن في معالمه على مدى العقود الماضية. بعد ربع ألفية من الاستقلال، لا تزال الولايات المتحدة تهيمن على الساحة العالمية باعتبارها الفاعل الأكثر تأثيرا في السياسة الدولية، والقوة التي تتقاطع بها معظم الملفات الإقليمية والدولية، سواء تعلق الأمر بالحروب، أو الأزمات الاقتصادية، أو الصراعات الجيوسياسية، أو التحولات الأمنية الكبرى.

ومن يتابع المشهد الدولي يدرك أن معظم الأزمات المعاصرة لا تنتظر قراراً صادراً عن المؤسسات الدولية بقدر ما تنتظر الموقف الأميركي. ولا تزال واشنطن تملك القدرة على توجيه مجرى الأحداث، سواء من خلال أدواتها الدبلوماسية، أو قدراتها العسكرية، أو نفوذها الاقتصادي والمالي، أو شبكة تحالفاتها الواسعة الممتدة عبر مختلف القارات. ولذلك، أصبحت العديد من العواصم تعتقد أن مفاتيح الحلول السياسية غالبا ما توجد في واشنطن أكثر منها في أروقة الأمم المتحدة، في تعبير واضح عن مدى التحول الذي طرأ على مفهوم إدارة العلاقات الدولية في العقود الأخيرة.

طوال النصف الثاني من القرن العشرين، عرف العالم نظاماً دولياً يقوم على القطبية الثنائية، حيث انقسمت الكرة الأرضية بين معسكرين كبيرين. إحداهما تقودها الولايات المتحدة، والأخرى يقودها الاتحاد السوفييتي. وتوزعت مناطق النفوذ بين الشرق والغرب وفق توازنات الحرب الباردة التي حكمت السياسة الدولية لعقود طويلة. ومع ذلك، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي في أوائل التسعينيات لم يكن مجرد سقوط قوة عظمى، بل كان يمثل تحولاً تاريخياً أنهى مرحلة كاملة من التوازن الدولي وأطلق حقبة جديدة تميزت بقيادة الولايات المتحدة الفريدة للنظام العالمي.

ومنذ ذلك التاريخ، تمكنت واشنطن من تعزيز مكانتها بشكل غير مسبوق، بالاعتماد على منظومة متكاملة من عناصر القوة. فهي تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر نظام عسكري، وأوسع شبكة من القواعد العسكرية والتحالفات الدولية، بالإضافة إلى تفوقها العلمي والتكنولوجي، وهيمنة مؤسساتها المالية والنقدية على الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار الدور المحوري للدولار، مدعوماً بنظام البترودولار، في حركة التجارة الدولية والطاقة والتمويل.

ولا يقتصر التفوق الأمريكي على امتلاك أدوات القوة الصلبة، بل يمتد أيضًا إلى القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وقيادة الاقتصاد الرقمي، وخلق نفوذ ثقافي وإعلامي، وهو ما أعطى الولايات المتحدة نفوذًا يتجاوز حدود القوة العسكرية التقليدية إلى مفهوم القوة الشاملة التي تمزج بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا.

وإذا ما قورنت الولايات المتحدة بمنافسيها الدوليين، يتبين أن ميزان القوى لا يزال مائلاً لصالحها، على الرغم من ظهور تحديات جديدة. وتواجه روسيا، التي ورثت الجزء الأكبر من الإرث العسكري السوفييتي، تحديات اقتصادية واستراتيجية متفاقمة، والتي أصبحت أكثر خطورة بسبب الحرب المستمرة في أوكرانيا وما نتج عنها من عقوبات واستنزاف طويل الأمد. أما الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من ثقله الاقتصادي، فإنه لا يزال يواجه صعوبات في صياغة سياسة دفاعية وخارجية موحدة تجعل منه قطبا مستقلا قادرا على منافسة واشنطن في قيادة النظام الدولي.

ومن ناحية أخرى، حققت الصين قفزات اقتصادية وتنموية هائلة، وأصبحت إحدى أكبر القوى الاقتصادية والمالية في العالم. لكن تحولها من قوة اقتصادية إلى قوة عالمية كاملة لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالتوازنات العسكرية، والتحالفات الدولية، والانتشار الاستراتيجي، فضلا عن طبيعة النظام الدولي الذي لا تزال الولايات المتحدة متمسكة بمفاصله الأساسية.

وبناء على هذه المعطيات يمكن القول إن العالم عاش خلال العقود الثلاثة الماضية مرحلة من الأحادية الدولية لعبت فيها الولايات المتحدة دور القائد والمنظم الرئيسي للعلاقات الدولية. وانعكس ذلك بوضوح في إدارتها للأزمات الكبرى، بدءاً من حرب الخليج، مروراً بالتدخلات العسكرية في مناطق متعددة، وصولاً إلى إدارة الصراعات الإقليمية والملفات النووية، إذ كثيراً ما كانت واشنطن تتخذ قراراتها وفق رؤيتها لمصالحها الوطنية، حتى لو تعارض ذلك مع مواقف بعض حلفائها التقليديين أو مع توجهات المؤسسات الدولية.

وفي هذا السياق، برز اتجاه أميركي واضح نحو حل العديد من الصراعات من خلال مزيج من الضغوط السياسية، والعقوبات الاقتصادية، واستخدام القوة العسكرية أو التهديد بها، كأدوات رئيسية لحماية المصالح الاستراتيجية الأميركية. وقد عزز هذا التوجه الدور الأميركي من جهة، لكنه أثار في الوقت نفسه جدلا واسعا حول حدود الأحادية الدولية وإمكانية استمرارها في ظل التحولات السريعة التي يشهدها النظام العالمي.

لكن القراءة الاستراتيجية للمستقبل تشير إلى أن النظام الدولي يتجه تدريجيا نحو توازن أكبر، ليس بالضرورة من خلال إنهاء القيادة الأمريكية، بل من خلال انتقاله من مفهوم الهيمنة الواحدة إلى مفهوم الشراكة المنظمة مع القوى الدولية الصاعدة. إن التحديات العابرة للحدود، مثل أمن الطاقة، وتغير المناخ، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد العالمية، لا يمكن لأي دولة أن تديرها بمفردها، مهما كانت قوتها.

ومن المرجح أن تصبح إدارة مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، وضمان أمن التجارة العالمية، والحفاظ على استقرار النظام المالي الدولي، من أبرز العوامل التي ستدفع الولايات المتحدة لتبني نهج أكثر تعاونا مع القوى الكبرى، بما يحقق مصالحها الاستراتيجية ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار الاقتصاد العالمي واستمرار الثقة في الدولار باعتباره الركيزة الأساسية للنظام المالي الدولي.

ومن هنا فإن القوة الحقيقية للولايات المتحدة في المستقبل لن تقاس بقدرتها على فرض إرادتها وحدها، بل بقدرتها على قيادة نظام دولي أكثر توازنا يجمع بين الحفاظ على مصالحها الوطنية وإدارة المنافسة الدولية ضمن أطر سياسية تقلل من احتمالات الصدامات الكبرى التي قد تهدد السلام والأمن العالميين.

في الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، نتقدم بأسمى التهاني والتبريكات لفخامة الرئيس دونالد ترامب، وللشعب الأمريكي الذي أظهر طوال رحلته التاريخية قدرة استثنائية على تجديد مؤسساته، وتعزيز تجربته الديمقراطية، ومواصلة التطلع إلى المستقبل بروح المبادرة والابتكار.

كما نغتنم هذه المناسبة لنعرب عن تقديرنا العميق للمواقف الأميركية الداعمة للبنان ومؤسساته الدستورية والجيش اللبناني الذي يشكل الركيزة الأساسية لحماية السيادة والحفاظ على الاستقرار، وللشعب اللبناني الساعي إلى بناء دولة قوية قادرة على تحقيق الأمن والازدهار. وهذه المواقف ليست ملحة، بل ترتكز على تاريخ طويل من العلاقات الثنائية التي قامت على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك والإيمان بأهمية دعم استقرار لبنان ووحدته.

كما نثمن الجهود الأميركية الرامية إلى مساعدة لبنان على تجاوز أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية، وتعزيز مقومات الاستقرار في منطقة تشهد تحولات سريعة وتعقيدات متزايدة، آملين أن يشكل التعاون بين البلدين نموذجا للشراكة القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يخدم تطلعات الشعبين الصديقين.

وفي الختام، فإن الذكرى المئتين وخمسين عاما لاستقلال الولايات المتحدة لا تمثل احتفالا بذكرى وطنية فحسب، بل تمثل أيضا خلاصة تجربة دولة نجحت في التحول من جمهورية ناشئة إلى القوة الأكثر تأثيرا في النظام الدولي الحديث. لكن الحفاظ على هذا الموقف لن يعتمد على تراكم عناصر القوة العسكرية والاقتصادية فحسب، بل على مدى قدرة واشنطن على التوفيق بين متطلبات القيادة العالمية ومتطلبات الشراكة الدولية، وبين حماية مصالحها الوطنية واحترام قواعد النظام الدولي. إن العالم يتغير بوتيرة سريعة، والقوى الصاعدة تفرض وجودها تدريجيا، مما يجعل المستقبل مرهونا بإنشاء نظام أكثر توازنا، تتقاسم فيه القوى الكبرى مسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وبالتالي تجنيب البشرية مصادمات استراتيجية كبرى، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الدولي المسؤول.

د. ابراهيم العرب

#الولايات #المتحدة #في #ربع #ألفية #الاستقلال #بين #القيادة #والشراكة

الولايات المتحدة في ربع ألفية الاستقلال بين القيادة والشراكة

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الولايات المتحدة في ربع ألفية الاستقلال بين القيادة والشراكة

المصدر : www.elsharkonline.com

.