دستور نيوز
بقلم نقولا ناصيف
“أساس ميديا”
بالتوازي مع الانقسام السياسي بين السلطات على رأس هرم السلطات وأطراف الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، جُرت أذياله أخيراً إلى حيث لا ينبغي أن تكون: الجيش. فالجيش يكاد يكون المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بإجماع داخلي لا لبس فيه، مقارنة بالسلطات الدستورية المتنافرة.
في أغلب الأحيان، تنبع محن الجيش اللبناني من الخلافات السياسية حول دوره، وليس من قدراته والثقة في قيادته طوال عهده. قدمت دروس الماضي نماذج مختلفة من علاقتها بالسلطات السياسية في أزمات الانقسام على ذاتها، أو الصراع مع خصومها: «ثورة 1958»، و«حرب السنتين 1975-1976»، وانقسامها في الأعوام 1983-1984 و1988-1990. جزء من عبء الصراعات السياسية حول الجيش هو أن قائده يتحمل عواقبها. ويقال إن إقالته كانت لها سوابق مشتركة: عام 1970 مع العماد إميل البستاني، عام 1975 مع العماد إسكندر غانم، عام 1977 مع العماد حنا سعيد، عام 1984 مع العماد إبراهيم طنوس، وانتهاء بالعماد ميشال عون عام 1990.
الجيش والسياسة
ومارس العهد السوري التلاعب بالجيش على مرحلتين: الأولى بالتشكيك فيه واتهامه بالانقسام بين عامي 1976 و1982، والثانية في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف عندما أحكمت قبضتها عليه ليصبح دوره داخلياً جوهر عقيدته العسكرية في لبنان والمنطقة.
فالانسحاب السوري من لبنان عام 2005 جعل من الجيش جزءاً لا يتجزأ من إدارة التوازن الداخلي والسياسي والطائفي بين الفرقاء. وهي تضعف أو تقوى بحسب ما يرافق هذه الإدارة، بشهادة أربع وقائع حينها أثبتت حيادها الطوعي أو المصطنع، كما أثبتت تراجعها وتقدمها: بين قوى 8 و14 آذار/مارس 2005، وبين 7 و9 أيار/مايو 2008، واحتلال الجرود بين 2015 و2017، و17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
الجيش يعيش مرة أخرى تجربته الاختبارية وسط انقسام سياسي حاد لم يخلو من البعد الطائفي. وبينما استطاع أن ينجح في دوره عام 2025 في تنفيذ قرارات حكومة الرئيس نواف سلام في 5 و7 آب/أغسطس بنشر قواته جنوب نهر الليطاني، فإنه يجد نفسه الآن أمام اختبار آخر أكثر تعقيداً. وبينما حظي وقف إطلاق النار المعلن في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 بتأييد جميع الأطراف، وأولها «الحزب»، وبالتالي إجماعهم على الدور المنوط بالجيش في تنفيذ وقف إطلاق النار والقرار 1701، وصل التوتر الداخلي أخيراً إلى ذروته بين مؤيدي الاتفاق اللبناني الإسرائيلي ومعارضيه. وسيصبح من الطبيعي حدوث مثل هذا الصدام في أي محاولة لتنفيذ اتفاق ينقسم حوله الشعب اللبناني، والأدهى من ذلك أن تقف طائفة بأكملها ضده، ما يجعل دور الجيش أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
الجيش ومشقة الاختبارات
تعتمد هذه الإحالة على بعض المعلومات:
أولاً، لا يجد الجيش نفسه وسط انقسام وطني فحسب، بل يبدو أيضاً أكثر قلقاً من صراع جعل من الأطراف المحلية عملاء له ومستودعات له في لبنان. المشكلة الإسرائيلية الإيرانية تدور حول الساحة الجنوبية. فإسرائيل ترفض الانسحاب منه إلا بشروطها، وإيران من خلال الدور المنوط بـ«الحزب» تريد فرض انسحاب إسرائيلي بشروطها المغايرة لتلك التي يتصورها لبنان الرسمي. فإسرائيل تريد أن يكون ثمن انسحابها تدمير «الحزب»، بينما تريدها إيران ترسيخ سلطة «الحزب» في تثبيت أمن واضطرابات الشمال الإسرائيلي، وبالتالي تكون سبباً دائماً لقلقها باحتفاظها بأسلحتها.
ثانياً، يقود الطرفان اللبنانيان المنخرطان في المواجهة الحالية، رئيس الجمهورية والثنائي الشيعي، معركة مصيرية على مستقبل كل منهما: تنفيذ الاتفاق ينهي «الحزب» كتنظيم مسلح، وسقوطه يقوض عهد الرئيس جوزف عون برمته. كلاهما يخوضان معركة بقاء يصعب التكهن بنتائجها، بين طرفين: إسقاط شرعية دستورية تحظى بدعم عربي وغربي وضعت رهانها بالكامل على الاتفاق، وطائفة بدأت تخوض، كما تعلن، معركة بقائها العسكري من خلال إصرارها على تجاوز رفض الاتفاق إلى التشبث بسلاح «الحزب».
ثالثاً، يضع هذا الانقسام الجيش مرة أخرى أمام معضلة الاختيار بين ما يفرض عليه عدم الاختيار، تجنباً لتحمل ثمن الخلافات السياسية، على غرار دروسه السابقة. وهو بذلك يجد نفسه في صراع حقيقي بين من يريد منه تنفيذ الاتفاق ومن يريد الامتناع عن ذلك. وهو لا يستطيع أن يفعل ما هو أسوأ خوفاً من الاصطدام بما أصبح «الحزب» يريد تمثيله، بحيث يكون استهدافه هو استهداف طائفته بأكملها، كما أنه لا يستطيع أن لا يفعل أو ينفذ بسبب التزامه بقرارات السلطات الدستورية التي هو مسؤول عنها، ولأنه شريك فعلي في تحديد بنود الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي. وجلس ضباطه على طاولة المفاوضات في واشنطن، فيما تحدث البند الثالث عن اتفاق الجيشين الإسرائيلي واللبناني على المنطقتين التجريبيتين الأوليين، ومن ثم تنفيذ شرطهما وهو نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية التي ليست سوى «الحزب». ولا تكاد أي مادة من مواد الاتفاق الـ14 تستثني «القوات المسلحة اللبنانية» تأكيداً لدورها ليس فقط في الانتشار، بل أيضاً في متطلبات شرط الانسحاب الإسرائيلي، وهو نزع سلاح «الحزب» مسبقاً.
رابعاً، إرباك الجيش وإدخاله في صراع داخلي يهدف إلى تجميد دوره في الاتفاق إلى حين تحديد مصير الانقسام. وواقع المشكلة أننا أمام وجهتي نظر متناقضتين، ومن الصعب إيجاد قاسم مشترك بينهما بعد أن رفع الطرفان اللهجة إلى الذروة مع إصرار رئيس الجمهورية على الاستمرار في الاتفاق وإصرار الثنائي الشيعي على إسقاطه بأي ثمن. وبينما يراهن الفريق الأول على أن التنفيذ أمر لا مفر منه ولا مفر منه، فإن الفريق الثاني يتجه إلى تقديم نموذج 2019 لتجنب مشكلة داخل الجيش نفسه عندما امتنع عن التدخل واكتفى بالفصل بين طرفي المواجهة خلال «ثورة 17 أكتوبر». لقد تجنب قمع «الثوار»، لكنه في الوقت نفسه فصل شارعين لبنانيين في وسط بيروت، أحدهما مؤيد لـ«الثورة» وهو ما يسمى المجتمع المدني، والآخر الذي قاده «الحزب» لمعارضته وقمعه.
نيكولاس ناصيف
#اتفاق #الإطار #الجيش #ساحة #للاشتباكات #السياسية
اتفاق الإطار: الجيش ساحة للاشتباكات السياسية؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – اتفاق الإطار: الجيش ساحة للاشتباكات السياسية؟
المصدر : www.elsharkonline.com
