دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
ومن الطبيعي في الحياة السياسية أن تختلف الآراء وتختلف المواقف، وللناس الحق في النقد والمعارضة والتعبير عن قناعاتهم بحرية، ما دامت مواقفهم تدخل في إطار الرأي السياسي المشروع ولا تسبب أذى أو تحريضا أو إساءة.
المبدأ في أي نظام قانوني عادل هو أن يحاسب الإنسان على الأفعال المثبتة بالأدلة الواضحة، وضمن إجراءات قانونية شفافة تضمن حق الدفاع والاعتراض، وليس عن آرائه أو خياراته السياسية أو انتماءاته.
ومن هذا المنطلق أيضاً أقول إن الأخلاق السياسية الحقيقية لا تظهر في التعامل مع من نتفق معهم، بل تظهر عندما نقول لخصومنا السياسيين:
“نحن نختلف معك في الرأي السياسي، لكننا نرفض أن نعامل بشكل غير عادل”.
إن الدفاع عن العدالة والحقوق لا ينبغي أن يكون رهينة الانتماءات والمناصب، لأن قيمة المبدأ تقاس بقدرتنا على التمسك به حتى عندما يتعلق الأمر بمن نختلف معهم سياسيا.
فالاختلاف السياسي لا يبرر الظلم، والعدالة الحقيقية تقاس بقدرتنا على تطبيق نفس المبادئ على الجميع دون استثناء أو انتقائية.
ومن هنا، فإن قرار الولايات المتحدة الأميركية فرض عقوبات على رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية، يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه العقوبات الدولية، والأسس التي تقوم عليها، والمعايير التي تحكم استخدامها.
تصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية حاضرة في الحياة العامة اللبنانية منذ عقود.
سليمان فرنجية ليس اسماً جديداً على الساحة السياسية. بل إنه ينتمي إلى عائلة سياسية لعبت دوراً بارزاً في تاريخ لبنان. وعلى مدى سنوات طويلة، تولى مسؤوليات وزارية ونيابية، وكان جزءاً أساسياً من الحياة السياسية اللبنانية بكل تعقيداتها وتحولاتها.
شارك في العمل السياسي من داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية، وترشح للانتخابات الرئاسية ضمن الأطر الديمقراطية الراسخة.
وكانت توجهاته وتحالفاته السياسية معلنة وثابتة ولم تخفى على أحد قط، سواء داخل لبنان أو على المستوى الدولي. ورغم ذلك، بقي موضع تواصل وصراحة لدى معظم السفراء المعتمدين في لبنان، الذين كانوا يزورونه في منزله ويجرون معه مشاورات، وكانوا على علم تام بمواقفه السياسية.
ورغم أن فرنجية دعم المقاومة سياسيا ضد إسرائيل، إلا أن هذا الموقف بقي في إطار قناعة سياسية معلنة ومعروفة، ولم يتحول يوما إلى خطاب تحريضي أو إقصائي تجاه أي طرف داخلي أو أي دولة خارجية، بل بقي جزءا من مقاربة سياسية واضحة للصراع مع إسرائيل.
ويبقى هذا الموقف جزءا من حق أي سياسي في التعبير عن قناعاته واختياراته في إطار العمل السياسي المشروع.
وبناء على ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه حول توقيت هذه العقوبات: لماذا اتخذ هذا القرار الآن، وهذه المواقف والتحالفات معروفة ومعلنة منذ سنوات؟ هل القرار مبني على اعتبارات قانونية بحتة أم أن له أبعاد سياسية؟
وبالتالي، إذا كان الانتماء السياسي أو دعم حزب الله يشكل مبرراً لفرض عقوبات على شخصيات لبنانية، فكيف يمكن التوفيق بين هذا النهج وإبرام الولايات المتحدة الأميركية مذكرة تفاهم مع إيران، إضافة إلى المفاوضات المباشرة التي تجري حالياً بين الطرفين في سويسرا، في حين أن إيران هي الداعم الأساسي لحزب الله سياسياً وعسكرياً ومالياً؟
ألا يحق للبنانيين أن يتساءلوا عن مدى اتساق وعدالة هذه المعايير؟ فكيف يمكن تبرير هذا النهج الانتقائي الذي يجعل الفعل نفسه سببا للعقاب في حالة، في حين يعتبر مقبولا ومباحا في أخرى؟
ومن الضروري أيضاً أن ندرك أن ما يطبق على شخص اليوم قد يطبق غداً على أشخاص آخرين أيضاً، مما يجعل احترام مبدأ العدالة المتساوية في مصلحة الجميع.
ولذلك فإن الدفاع عن العدالة والشفافية وحق الاعتراض ليس دفاعاً عن فرد أو حزب سياسي معين، بل هو دفاع عن مبدأ يحمي الجميع من أي تقدير أو انتقائية محتملة في المستقبل.
كما أن القرارات التي تمس شخصيات لبنانية فاعلة في الحياة السياسية، تثير بطبيعتها تساؤلات تتعلق بدور المؤسسات اللبنانية نفسها، ومدى قدرة الدولة على أن تكون السلطة الأولى في مساءلة مواطنيها ومحاسبتهم وفق قوانينها ومؤسساتها القضائية.
والمبدأ الذي يجب أن يبقى فوق كل اعتبار هو أن الديمقراطية لا تعاقب الأفكار ولا تجرم القناعات السياسية، بل تحاسب الأفعال والانتهاكات عندما تثبت بالأدلة ووفقا للمبادئ القانونية.
في النهاية قد نختلف في السياسة، وقد تختلف قراءاتنا للأحداث والتحالفات، لكن حق الإنسان في العدالة ومعرفة أسباب التهمة الموجهة إليه، والدفاع عن نفسه، يجب أن يبقى حق ثابت لا يتغير بتغير المواقف والاصطفافات.
إن الدول تقاس بقوة مؤسساتها، في حين تقاس المجتمعات بقدرتها على دعم العدالة حتى في التعامل مع أولئك الذين تختلف معهم في السياسة.
وفي الختام، وفي ضوء ما تقدم، فإن من واجب الدولة اللبنانية أن تتعامل مع هذا الملف بمنتهى الجدية والمسؤولية.
كما يفترض أن تبادر الدولة إلى إجراء اتصالات رسمية مع الإدارة الأميركية للاستفسار عن الأسس والحقائق القانونية التي استند إليها قرار العقوبات، والعمل على توضيح أسبابه وخلفياته أمام الرأي العام اللبناني، بما يحفظ حق الشعب اللبناني في المعرفة ويحفظ في الوقت نفسه هيبة الدولة ودورها في الدفاع عن مواطنيها ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة.
العدالة لا تكون عدالة إلا عندما تطبق على الجميع بمعيار واحد، بعيدا عن الانتقائية وازدواجية المعايير.
ديفيد عيسى
#سليمان #فرنجية. #والمعايير #المزدوجة
سليمان فرنجية.. والمعايير المزدوجة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – سليمان فرنجية.. والمعايير المزدوجة
المصدر : www.elsharkonline.com
