.

اراء و اقلام الدستور – الهجرة النبوية.. عندما يصنع الإيمان تاريخا عظيما

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – الهجرة النبوية.. عندما يصنع الإيمان تاريخا عظيما


دستور نيوز

بقلم الشيخ مظهر الحموي

عضو المجلس الأعلى للشريعة الإسلامية

ونحن نستقبل بركات العام الهجري الجديد، وأرواحنا تقف في ذكرى الهجرة النبوية المباركة، تتجه الأنظار إلى ذلك الحدث الجليل الذي شكل نقطة تحول خالدة في طريق الدعوة الإسلامية، ونقطة تحول انتقل فيها الإسلام من مرحلة الضعف إلى عصر التمكين، ومن ضيق المحنة إلى سعة النعمة، ومن ليل الاضطهاد الطويل إلى فجر الرسالة المشرق.

وإذا كانت الهجرة النبوية ذكرى تتجدد في ضمير الأمة عاما بعد عام، فهي ليست مجرد صفحات تطوى من سجل التاريخ، بل هي مدرسة متكاملة من الإيمان والتضحية والصبر والثبات، من مصدرها نستمد العبر، ومن نورها نستلهم معاني تهدي خطواتنا في واقعنا وحياتنا.

ولعل أول ما ينبغي مراعاته في هذه المناسبة الجليلة هو المكانة الكبيرة التي أولاها المسلمون للهجرة، حتى جعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مبدأ في تاريخ الأمة الإسلامية، لأنها مثلت تحولا مصيريا في حياة رسالة محمد.

وكانت الهجرة الحد الفاصل بين مرحلتين: مرحلة الصبر على الأذى والسعي في سبيل الإيمان، ومرحلة بناء الدولة وإقامة المجتمع المؤمن الذي يحمل أمانة الدين إلى العالمين.

لقد كانت الهجرة رحلة إيمانية قبل أن تكون هجرة، وهجرة القيم والمبادئ قبل أن تكون هجرة أرض ومكان.

إنها الهجرة من الظلم إلى العدل، ومن الخوف إلى الطمأنينة، ومن أغلال الجهل إلى سعة التوحيد.

وقد ظهر فيه أعلى معاني اليقين بالله، حين خرج النبي وصلى الله عليه وسلم وعبر صديقه أبو بكر رضي الله عنه الصحراء والقفر، وتتبعتهم عيون قريش وسيوفها، حتى لجأوا إلى غار ثور، وهناك ظهر معنى الثقة الحقيقية عندما قال الرسول الكريم: وصلى الله عليه وسلم لصاحبها: “لا تحزن فإن الله معنا”. وكانت كلمة خالدة، لخصت فلسفة النصر الإلهي، وألقت في القلوب روح الثقة والثبات.

ولم تكن الهجرة هروباً من المواجهة أو هروباً من واقع ما، بل كانت تحركاً واعياً لبناء مجتمع يحتضن الرسالة، ويحمي الإيمان، ويصون كرامة الإنسان.

ولهذا قدم المهاجرون أروع أشكال الإيثار ونكران الذات. لقد تركوا أوطانهم وأموالهم وتجارتهم وأهليهم ابتغاء مرضاة الله، وآثروا سلامة الدين على متاع الدنيا.

كما كتب الأنصار رضي الله عنهم صفحة مشرقة من الإيثار والأخوة، عندما فتحوا قلوبهم أمام ديارهم لإخوانهم المهاجرين، فتقاسموا معهم المال والسكن والأرزاق، حتى أصبحت الأخوة بينهم معجزة اجتماعية لم يعرفها التاريخ.

ومن رحم تلك التضحيات العظيمة ولدت دولة الإسلام، ومن المدينة المنورة انتشرت أشعة الهدى إلى الآفاق، حاملة للإنسانية رسالة الرحمة والعدل والعلم والتنمية، حتى أضاء نورها مشارق الأرض ومغاربها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.

إن ذكرى الهجرة ليست عيدا يجب الاحتفال به، بل هي وقفة للمراجعة والمحاسبة، نسأل فيها أنفسنا: ماذا تركنا لله؟ ماذا تركنا من أهوائنا وعاداتنا وأخطائنا؟ ولا تقتصر الهجرة الحقيقية على نقل الأجساد، بل تمتد إلى هجرة الذنوب والمعاصي والسيئات، وترك الغفلة إلى اليقظة، وترك التعلق بالدنيا إلى التعلق بما عند الله.

أما آن لنا أن نتخلى عن القسوة التي وجدت في القلوب، والنقائص التي استقرت في النفوس؟ ألم يحن الوقت لأن نستعيد من الهجرة معاني الصبر والصمود والعمل والجهد، ونترجمها إلى سلوك في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا؟

ألا ينبغي لأطفالنا أن يتعرفوا على تاريخهم الهجري المجيد ويتعلقوا بأحداثه العظيمة، فيكون حاضرا في ثقافتهم ووعيهم كما يحضر التاريخ الميلادي في تعاملاتهم وشؤونهم؟

ثم متى ستدرك الأمة أن الهجرة كانت مشروع نهضة وليست مجرد ذكرى، وأن التمكين الذي تحقق للمسلمين لم يكن إلا نتيجة الإيمان الصادق والعمل الجاد والتضحية المستمرة؟ فكيف يليق بأمة تتغنى بأمجاد الهجرة أن تقبل الضعف والانقسام والتبعية، فيما تتعرض مقدساتها وأوطانها لألوان العدوان والتحديات؟

فالهجرة النبوية دعوة متجددة للانتقال من واقع الانحطاط إلى آفاق التقدم، ومن الخنوع إلى الفعالية، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الانشغال بصغائر الأمور إلى حمل هم الرسالة والأمة.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هجرة صادقة إلى الله، هجرة يترك فيها العاصي معصيته، والمهمل فيها غفلته، والبخيل عن طمعه، والغافل عن غفلته، ويتوجه كل إنسان إلى ربه بقلوب تائبة ونفوس صادقة.

الدنيا ظل زائل، والحياة عدة مراحل، والموعد بين يدي الله قريب، والسعيد من جعل هجرة الرسول نبراساً يهديه إلى طريق النجاة والنجاح.

ونسأل الله تعالى أن تجعل ذكرى الهجرة تبعث فينا روح الإيمان والعزيمة، وأن يرزقنا الاقتداء برسوله الكريم. وصلى الله عليه وسلموأن ننقل أمتنا من مناطق الضعف إلى مناطق القوة، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن الشدائد إلى النعمة. وهو ولي ذلك والقادر عليه سبحانه.

الشيخ مظهر الحموي

#الهجرة #النبوية. #عندما #يصنع #الإيمان #تاريخا #عظيما

الهجرة النبوية.. عندما يصنع الإيمان تاريخا عظيما

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الهجرة النبوية.. عندما يصنع الإيمان تاريخا عظيما

المصدر : www.elsharkonline.com

.