دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
ملف الامتحانات الرسمية في لبنان للعام 2026 لم يحسم بعد بشكل نهائي، فيما تتواصل المناقشات والضغوط النيابية والشعبية والمطالب التربوية الداعية إلى إلغائها أو تعديلها واعتماد آليات بديلة، في ظل الظروف الأمنية والاستثنائية التي يمر بها لبنان.
وفي الدول التي تحترم مواطنيها، تبقى سلامة الإنسان هي المعيار الأول لأي قرار رسمي، ولها الأسبقية على كل اعتبار إداري أو سياسي.
أما في لبنان، فيبدو أحياناً أن بعض المسؤولين يعتبرون التراجع عن القرار بمثابة هزيمة شخصية، حتى عندما تجبر الوقائع على إعادة النظر فيه.
من هنا، تطرح علامات الاستفهام حول الإصرار على عقد الامتحانات الرسمية رغم الحرب والدمار والتهجير الواسع الذي شهده لبنان.
ودمرت قرى بأكملها في الجنوب، ودمرت مساحات واسعة من البقاع والضاحية الجنوبية، فيما اضطر أكثر من مليون لبناني إلى ترك منازلهم.
وفي خضم هذه الأحداث، عاش آلاف الطلاب أشهراً من الخوف والقلق وفقدان الاستقرار النفسي والتعليمي. بعضهم فقد منزله أو أحباءه، بينما واصل آخرون دراستهم في ظروف بالغة الصعوبة.
ولا تقتصر هذه المعاناة على الانطباعات الشخصية، بل تؤكدها الأرقام أيضًا.
وأشارت عدة تقارير تربوية ودولية إلى أن نحو 40 بالمئة من طلاب لبنان تأثروا بشكل مباشر بالنزوح أو تداعيات الحرب، فيما تم استخدام عدد كبير من المدارس الرسمية كمراكز لإيواء النازحين في ذروة الأزمة.
وهنا لا بد من التأكيد على أن الامتحانات الرسمية تشكل ركيزة أساسية في النظام التعليمي اللبناني، وأن الحفاظ عليها يعزز من قيمة الشهادة اللبنانية ومكانة الطالب اللبناني الذي أثبت على مدى عقود تفوقه الأكاديمي. لكن التمسك بهذا المبدأ لا يعني تجاهل الواقع أو التعامل مع الظروف الاستثنائية وكأنها غير موجودة.
وعندما تفرض الأحداث تحديات غير مسبوقة، يصبح من الطبيعي البحث عن إجراءات استثنائية تراعي أوضاع الطلاب وتحفظ حقوقهم التعليمية، دون أن يفهم من ذلك الانتقاص من قيمة الشهادة الرسمية أو أهمية التعليم.
هل من المعقول بعد كل ما حدث أن نطلب من الطلاب التصرف وكأن شيئا لم يحدث؟
المشكلة لا تكمن في الامتحانات نفسها، بل في تجاهل الوضع الأمني في البلاد والهموم التربوية والإنسانية التي يعبر عنها الأهالي والأساتذة والطلاب.
فحين ترتفع الأصوات المنذرة بالضغوط والمخاطر القائمة، يفترض على المسؤول أن يستمع إليها ويتعامل معها بجدية، وليس بمنطق التحدي أو الغطرسة.
وعلى وزير التربية والتعليم أن يدرك أن المبدأ لا يعني الالتزام بالقرار مهما تغيرت الظروف، بل يكمن في القدرة على مراجعة القرارات عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك.
والقرارات الاستثنائية في الظروف الاستثنائية لا تترك عادة لإدارة واحدة مهما بلغت من الكفاءة، بل تصبح مسؤولية وطنية مشتركة تتقاسمها السلطات السياسية والأمنية والتربوية.
ومن هنا فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بوزارة التربية والتعليم وحدها، بل بدور الدولة ومؤسساتها كافة. فهل يجوز أن يبقى موضوع بهذا الحجم محصورا في إطار قرار وزاري، فيما يتعلق بشكل مباشر بمصير ومستقبل عشرات الآلاف من الطلاب؟
ألا يتطلب هذا الموضوع متابعة مباشرة من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، والتأكد من الاستناد إلى كافة المعطيات الأمنية والتربوية والنفسية قبل اتخاذ القرار الأنسب؟
الطلاب ليسوا أرقاماً في الجداول والإحصائيات الرسمية، ولا مجالاً لتجريب القرارات الإدارية، بل هم أبناء هذا الوطن ومستقبله.
ومن حق اللبنانيين أن يتساءلوا: ماذا لو تفاقم الوضع أكثر؟ ومن إذن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية كاملة؟ ومن يستطيع أن يطمئن الأسر التي ترسل أبنائها إلى مراكز الفحص وهي لا تزال تتذكر مشاهد الحرب والتهجير والدمار؟
الدولة القوية لا تثبت قوتها بفرض الامتحانات في أصعب الظروف، بل بقدرتها على التوفيق بين الحفاظ على المستوى التعليمي وحماية أبنائها من تداعيات الأزمات.
وفي الختام نقول إن المطلوب ليس التخلي عن الامتحانات أو التقليل من أهمية الشهادة اللبنانية، بل اتخاذ القرار الأحكم والأتوازن في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب وما خلفته من مآسي وآلام.
تظل حماية الإنسان دائمًا المسؤولية الأولى لأي دولة تحترم مواطنيها.
ديفيد عيسى
#امتحانات #الطلاب #في #حقل #ألغام.
امتحانات الطلاب في حقل ألغام..
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – امتحانات الطلاب في حقل ألغام..
المصدر : www.elsharkonline.com
