دستور نيوز
بقلم الدكتور يوسف العميري
على مدار أسابيع، لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن تقدم جديد في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. تارة يقال إن الاتفاق بات قريباً، وتارة تؤكد التصريحات الدبلوماسية أن المباحثات وصلت إلى مراحلها الأخيرة، وتارة تتحدث وسائل الإعلام عن تفاهمات قد تضع حداً للحرب وتطوي صفحة التوتر الخطير الذي يخيم على المنطقة.
لكن الغريب أن كل حديث عن السلام على الأرض يصاحبه مشهد مختلف تماما.
وبينما يتحدث السياسيون عن الهدوء، يستيقظ سكان الخليج على أصوات صفارات الإنذار، وبينما تتحدث العواصم الكبرى عن الحلول الدبلوماسية، تجد العائلات الكويتية والخليجية نفسها مطالبة بمتابعة الأخبار لحظة بلحظة، والاطمئنان على أبنائها، ومراقبة السماء التي تحولت فجأة إلى مصدر قلق يومي.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بسيط ومباشر: إذا كانت إيران جادة في السعي للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب، فلماذا تستمر الهجمات التي تعرض أمن دول الخليج للخطر؟
وقد تقول طهران إنها تستهدف مواقع أو مصالح أميركية في المنطقة، وقد تكرر أنها لا تستهدف دول الخليج بشكل مباشر، لكن هذه التبريرات لم تعد مقنعة لأحد. فالصاروخ الذي يمر فوق المدن لا يسأل عن جنسية من يعيشون تحته، والطائرة بدون طيار التي تخترق الهواء لا تفرق بين طفل نائم في منزله وهدف عسكري مزعوم على بعد مئات الكيلومترات.
فأمن الناس ليس هامشا في المعادلات العسكرية.
إن حياة المدنيين ليست من التفاصيل التي يمكن التغاضي عنها في البيانات السياسية.
الأطفال الذين يستيقظون مذعورين على أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار ليسوا أرقاماً في التقارير الإخبارية.
في الكويت، كما هو الحال في بقية دول الخليج، هناك الملايين من الناس الذين يريدون فقط أن يعيشوا حياتهم الطبيعية. إنهم يريدون الذهاب إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم دون أن يكونوا رهائن صراع ليس لهم رأي فيه أو مسؤولية. هؤلاء لم يختروا هذه الحرب، ولم يشاركوا في إشعالها، ومع ذلك يجدون أنفسهم في قلب تداعياتها كل يوم.
وما يزيد من خطورة المشهد هو أن دول الخليج كانت خلال السنوات الماضية من أكثر الأطراف حرصا على الاستقرار الإقليمي. والكويت، على وجه الخصوص، عرفت تاريخيا بدبلوماسيتها الهادئة، وسعيها المستمر لتقريب وجهات النظر، وإيمانها بأن الحوار هو السبيل الوحيد لحل النزاعات. ولذلك فإن تعريض أمنها للخطر لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية.
والحقيقة التي يجب أن يفهمها الجميع هي أن أمن الخليج ليس ورقة تفاوض، وليس رسالة يمكن إرسالها إلى واشنطن أو غيرها. إن أمن الخليج مرتبط بحياة الإنسان واستقرار المجتمعات ومستقبل الأجيال القادمة.
إذا كانت الولايات المتحدة وإيران تريدان حقاً التوصل إلى اتفاق سلام دائم، فإن الاختبار الأول لجدية هذا السلام يجب أن يكون وقف كافة الأعمال التي تهدد المدنيين وتعرض دول المنطقة للخطر. ولا جدوى من الحديث عن الهدوء فيما تستمر الصواريخ والطائرات المسيرة في بث الخوف والقلق.
لقد دفعت المنطقة أثماناً باهظة على مدى العقود الماضية بسبب الحروب والصراعات والمواجهات بالوكالة، وكانت النتيجة دائماً هي نفسها: خسائر اقتصادية، وتوترات أمنية، وفرص تنموية ضائعة، والشعوب تدفع الثمن بينما يجلس السياسيون حول طاولة المفاوضات.
وما نحتاجه اليوم ليس مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار بين طرفين متحاربين، بل رؤية حقيقية تجعل من أمن المنطقة أولوية فوق كل الحسابات الأخرى. نحتاج إلى ضمانات واضحة بأن الخليج لن يكون ساحة لتبادل الرسائل، ولا منصة لتصفية الحسابات، ولا منطقة يدفع سكانها فاتورة خلافات الآخرين.
نريد سلاما حقيقيا وليس تصريحات مؤقتة.
نريد الأمن دائما، وليس وضعنا هشا.
نريد أن تنام العائلات بسلام دون خوف من صفارات الإنذار الجديدة.
نريد لأطفال الخليج أن يكبروا وهم يعرفون صوت البحر والمدرسة والمنتزه، وليس أصوات الصواريخ والانفجارات.
قد تبدأ الحروب بقرار سياسي، لكن آثارها تمتد إلى حياة الملايين من الأبرياء، ومن حق شعوب الخليج، بعد كل الأزمات التي شهدتها المنطقة، أن تطالب بشيء يبدو بسيطا ظاهريا ولكنه أصبح نادرا في أوقات الصراعات: الحق في الأمن، والحق في الاستقرار، والحق في حياة طبيعية.
د.يوسف العميري
#وإلى #متى #سيدفع #الخليج #ثمن #حرب #لا #يريدها
وإلى متى سيدفع الخليج ثمن حرب لا يريدها؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – وإلى متى سيدفع الخليج ثمن حرب لا يريدها؟
المصدر : www.elsharkonline.com
