.

اراء و اقلام الدستور – نهاية الحرب.. أم بداية الشرق الأوسط الجديد؟

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – نهاية الحرب.. أم بداية الشرق الأوسط الجديد؟


دستور نيوز

مصباح العلي
انتهت الحرب بين إيران وإسرائيل بطريقة سريالية لا تشبه النهايات التقليدية المعروفة في التاريخ الحديث. لم نرى أعلاماً مرفوعة فوق العواصم، ولم نرى حشوداً تحتفل بالنصر الساحق، ولم نرى صور الاستسلام تهدي الهزيمة النهائية. وانتهى الأمر وكأن الجميع قد اتفقوا على وقف إطلاق النار عند النقطة التي تحققت فيها الأهداف الكبرى، تاركين للسياسيين استكمال ما عجزت الجيوش عن فعله أو لم ترغب في الذهاب إليه.
في الحروب التقليدية، نهاية المعارك هي إعلان انتصار أحد الطرفين وهزيمة الطرف الآخر. في هذه الحرب تبدو النهاية أقرب إلى إعادة توزيع الأدوار، وإطلاق مرحلة جديدة من الصراع بأدوات مختلفة. لذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من فاز؟ بل: ما هو الشرق الأوسط الذي يتم الاستعداد له؟
ومن الواضح أن الولايات المتحدة لم تدخل المواجهة بهدف الإطاحة بالدولة الإيرانية أو احتلالها. وكان الهدف الأكثر إلحاحاً يتلخص في منع إيران من التحول إلى قوة نووية كاملة، الأمر الذي من شأنه أن يفرض توازناً استراتيجياً جديداً في المنطقة ويقيد حرية الحركة الأميركية والإسرائيلية لعقود قادمة. ولذلك فإن تحييد البرنامج النووي الإيراني، أو تفكيكه وإخضاعه لرقابة صارمة، يمثل بالنسبة لواشنطن إنجازاً كافياً لتبرير وقف التصعيد.
أما إسرائيل فقد اكتشفت مرة أخرى حدود قوتها العسكرية. إن الإطاحة بنظام بحجم وتعقيد النظام الإيراني ليست عملية جراحية سريعة، بل هي مشروع حرب إقليمية مفتوحة يمكن أن تمتد لسنوات وتهدد الاستقرار العالمي ومصالح الحلفاء. ولذلك، بدا أن تل أبيب فضلت تأجيل هذا الهدف، أو وضعه في خانة الاستنزاف طويل الأمد، حتى تتوفر الظروف الملائمة أكثر.
ومن ناحية أخرى، خرجت إيران مثقلة بالتكاليف. صحيح أن النظام لم يسقط، لكنه وجد نفسه أمام واقع جديد: اقتصاد منهك، وبنية ردع تم اختبارها، وشبكة نفوذ إقليمية ستواجه ضغوطاً غير مسبوقة. وعلى مدى عقود، بنت طهران استراتيجيتها على مبدأ «الدفاع المتقدم» من خلال الحلفاء والأسلحة الممتدة إلى ما وراء حدودها. لكن المرحلة المقبلة قد تجبرها على العودة إلى الداخل وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الإيراني نفسه.
ومن هنا تبدأ القراءة الأخطر.
وإذا انتهت الحرب عند حدود الملف النووي، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستركز على إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. ولن تكون الدبابات هي الأداة الأساسية، بل الضغوط الاقتصادية، وإعادة هندسة التوازنات الداخلية، واستغلال الأزمات الاجتماعية، وإنشاء مستوطنات جديدة.
وفي لبنان، ستزداد الضغوط باتجاه إعادة تعريف دور السلاح غير القانوني، وربط أي دعم اقتصادي أو إنقاذ مالي باستعادة إنتاج الدولة ومؤسساتها. وسوف تواجه البلاد مفترق طرق تاريخياً: فإما الانخراط في تسوية إقليمية جديدة، أو الغرق أكثر في العزلة والانهيار.
وفي سوريا، قد تتقدم مشاريع تثبيت الوضع الراهن وتقاسم النفوذ، مع محاولة إنهاء ما تبقى من حالة الحرب المفتوحة، ودمج دمشق تدريجياً في نظام إقليمي أكثر انضباطاً وأقل ارتباطاً بالمحاور التقليدية.
أما العراق، فسيجد نفسه أمام تحدي حل العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، تحت ضغط الحاجة إلى الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات، وبين الضغوط الأميركية والإيرانية المتعارضة.
ويبدو الخليج العربي، من جانبه، أكثر استعداداً للاستفادة من هذه اللحظة. وتسعى السعودية إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مركزية تقود طريق التنمية والاستقرار، بينما تحاول قطر الحفاظ على دور الوسيط القادر على التواصل مع كافة الأطراف، وتعمل تركيا على ترجمة نفوذها العسكري والسياسي إلى مكاسب استراتيجية واقتصادية أوسع.
لكن الاعتقاد بأن هناك خطة مفصلة سيتم تنفيذها وفق جدول زمني صارم قد يكون تبسيطاً مبالغاً فيه لطبيعة الشرق الأوسط. وكانت المنطقة تتحول إلى مقبرة للمشاريع الكبرى. لقد انهارت العديد من الخطط التي صاغتها الدول العظمى أمام تعقيدات المجتمعات المحلية، وتضارب المصالح، وقدرة اللاعبين الصغار على تعطيل إرادة الكبار.
ويظل العامل الأميركي الداخلي عنصراً حاسماً. إن شخصية الرئيس الأميركي وسياساته تؤثر على الإيقاع، لكنها لا تقلل من الدولة العميقة ومصالح المؤسسات الأمنية والاقتصادية التي تصوغ الاستراتيجيات طويلة المدى. ولذلك فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط ببقاء الرئيس أو رحيله، بل بمدى الإجماع المستمر داخل واشنطن حول أولوياتها في الشرق الأوسط.
لقد انتهت الحرب عسكرياً، وربما لم تبدأ السياسة بعد. نحن أمام انتقال تاريخي من مرحلة «إدارة الفوضى» إلى محاولة «إدارة التوازنات». لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم ليست مجرد خرائط على طاولة المفاوضات، وأن الناس ليسوا أرقاما في الحسابات الجيوسياسية.
قد تنجح بعض الخطط، وقد يفشل بعضها الآخر. وقد يولد شرق أوسط جديد من رحم هذه التحولات، أو يعيد إنتاج أزماته بأشكال مختلفة. لكن المؤكد هو أن ما بعد هذه الحرب لن يشبه ما قبلها، وأن السنوات المقبلة ستكون سنوات إعادة تعريف النفوذ والدولة ومفهوم الأمن نفسه في هذه المنطقة المضطربة من العالم.
ولعل المفارقة الأعمق هي أن أخطر الحروب ليست تلك التي تنتهي بإطلاق النار، بل تلك التي تبدأ بعد صمت المدافع.
مصباح العلي

#نهاية #الحرب. #أم #بداية #الشرق #الأوسط #الجديد

نهاية الحرب.. أم بداية الشرق الأوسط الجديد؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – نهاية الحرب.. أم بداية الشرق الأوسط الجديد؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.