.

اراء و اقلام الدستور – مشروع قانون الإعلام: نحو تعزيز الحرية المسؤولة

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – مشروع قانون الإعلام: نحو تعزيز الحرية المسؤولة


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب
يمثل مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان محطة تشريعية محورية في مسيرة تطوير المنظومة الوطنية للإعلام، ونقلة نوعية طال انتظارها لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والإعلام على أساس احترام الحريات العامة، وتعزيز المسؤولية المهنية، ومواكبة التحولات الكبرى التي يفرضها العصر الرقمي. ويشكل هذا المشروع، الذي وصل إلى مراحل متقدمة من العملية التشريعية بعد سنوات طويلة من النقاش والعمل الإصلاحي امتدت قرابة خمسة عشر عاما، محاولة جادة للانتقال من نظام قانوني تقليدي لم يعد متوافقا مع واقع الإعلام الحديث، إلى إطار قانوني أكثر تقدما يتوافق مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
وحظي إعداد هذا المشروع بدعم فني وخبرات متخصصة من منظمة اليونسكو، وهو ما يعكس أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في بناء تشريعات إعلامية حديثة توازن بين الحفاظ على الحرية من جهة، وضمان المسؤولية من جهة أخرى. ولا يقاس الإعلام في الدول الديمقراطية بمدى هامش الحرية المتاح له فحسب، بل أيضا بمدى قدرته على ممارسة هذه الحرية ضمن قواعد مهنية وقانونية تحمي المجتمع من التضليل والتحريض وانتهاك الحقوق.
ومن الناحية القانونية والأكاديمية، لا تكمن أهمية مشروع القانون في تعديل بعض النصوص الإجرائية أو العقابية فحسب، بل في الفلسفة التشريعية الجديدة التي يرتكز عليها، والتي تنقل الإعلام من مفهوم “السيطرة والردع” إلى مفهوم “التنظيم والحماية”. إن وظيفة قانون الإعلام الحديث ليست تقييد الصحافة، بل توفير بيئة قانونية تسمح لها بالعمل بشكل مستقل وتحمي الصحفيين أثناء ممارسة دورهم الرقابي في خدمة المصلحة العامة.
وأبرز الإصلاحات الأساسية التي يتضمنها المشروع هي:
أولاً: إلغاء تجريم العمل الإعلامي وإنهاء عقوبة السجن في قضايا النشر
ويشكل إلغاء التجريم والسجن والاحتجاز الاحتياطي للإعلاميين في قضايا تتعلق بالنشر أحد أهم التحولات التي يحدثها المشروع. من المبادئ الراسخة في الفقه الحقوقي الحديث أن الخطأ الصحفي أو الخلاف حول محتوى المنشور لا ينبغي أن يؤدي إلى عقوبات سالبة للحرية، لأن السجن في قضايا الرأي والتعبير يشكل تهديدا مباشرا لحرية الصحافة ويؤدي إلى تكريس الرقابة الذاتية.
وينسجم اعتماد العقوبات المدنية، وخاصة الغرامات والتعويضات عند ثبوت الضرر، مع الاتجاه العالمي الذي يميز بين المسؤولية القانونية للإعلامي وتجريم ممارسته المهنية. ويجب أن يبقى الصحفي مسؤولاً، ولكن في إطار يحترم طبيعة العمل الإعلامي ودوره في مراقبة الأداء العام وكشف العيوب.
كما أن منع الحبس الاحتياطي في قضايا النشر يرسي مبدأ مهماً من مبادئ العدالة، وهو ألا تخضع حرية الإنسان لإجراء احترازي قبل صدور حكم قضائي نهائي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الرأي أو ممارسة الوظيفة الإعلامية.
ثانياً: الانتقال من محكمة المطبوعات إلى قضاء مدني متخصص
ويأتي إلغاء محكمة المطبوعات وإنشاء محكمة مدنية متخصصة للنظر في منازعات الإعلاميين ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة. وتتميز القضايا الإعلامية بخصوصية قانونية ومهنية تتطلب فهما عميقا لطبيعة العمل الصحفي، وحدود النقد المشروع، والموازنة بين حرية التعبير وحماية الحقوق الشخصية.
ووجود قضاء مدني متخصص لا يعني إعفاء وسائل الإعلام من المسؤولية. بل على العكس من ذلك، فهو يرسي مسؤولية أكثر دقة وعدالة، إذ يتم تقييم التصرفات الإعلامية وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، بعيدة كل البعد عن منطق العقوبات الجنائية التي قد تمس حرية الصحافة.
ويعكس هذا التوجه أيضاً تطوراً في النظرة إلى الإعلام باعتباره سلطة رقابية في مجتمع ديمقراطي، وليس مجرد نشاط تجاري أو مهنة نظامية، الأمر الذي يتطلب توفير ضمانات قانونية خاصة للعاملين فيه.
ثالثاً: تنظيم الإعلام الرقمي ومواكبة التحول التكنولوجي
ومن أبرز نقاط قوة المشروع هو توسيع نطاقه ليشمل الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية والمواقع الإخبارية، إذ لم يعد من الممكن التعامل مع الإعلام وفق مفهوم الصحيفة الورقية أو المؤسسة التقليدية فقط.
لقد أدى التوافر الواسع النطاق للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير جذري في طبيعة إنتاج الأخبار وتداول المعلومات. وأصبح صاحب الموقع شريكاً في صناعة المحتوى الإعلامي، بعد أن كانت عملية نقل الأخبار مقتصرة على المؤسسات الإعلامية التقليدية.
لكن هذا التطور فرض تحديات جديدة، أبرزها انتشار الأخبار المضللة، وخطاب الكراهية، والتلاعب بالمعلومات، مما يجعل الحاجة إلى تنظيم قانوني حديث أمرا ضروريا. ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول التنظيم إلى رقابة على الفضاء الرقمي، بل ينبغي أن يهدف إلى تعزيز المسؤولية المهنية، وحماية المستخدمين، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات.
رابعاً: إنشاء هيئة وطنية مستقلة لتنظيم الإعلام
ويمثل إنشاء هيئة إعلامية وطنية مستقلة تحولا مؤسسيا مهما في إدارة قطاع الإعلام. إن وجود هيئة رقابية مستقلة تضم خبراء ومختصين قانونيين وممثلين عن قطاع الإعلام يمكن أن يشكل ضمانة لتطبيق معايير مهنية واضحة بعيدا عن التدخلات السياسية أو الأمنية.
وتكمن أهمية هذه الهيئة في أنها تنقل تنظيم الإعلام من منطق القرارات الإدارية المتغيرة إلى منطق المؤسسات المستقلة القائمة على قواعد الشفافية والمساءلة. ويمكنها أيضًا أن تلعب دورًا أساسيًا في حماية التعددية الإعلامية، ودعم المحتوى عالي الجودة، وتعزيز أخلاقيات المهنة.
لكن نجاح أي هيئة رقابية يبقى مرتبطاً بدرجة استقلالها الفعلية وطريقة اختيار أعضائها وقدرتها على ممارسة صلاحياتها بعيداً عن تأثير المصالح السياسية أو الطائفية التي طالما طالت عدداً من القطاعات العامة في لبنان.
ورغم أهمية مشروع القانون، إلا أن إقراره في مجلس النواب لا يمثل النهاية، بل بداية مرحلة أهم من التنفيذ السليم. فالقوانين، مهما كانت متقدمة، يكون تأثيرها محدودا إذا لم تكن مصحوبة بإرادة سياسية حقيقية وثقافة قانونية ومهنية بين مختلف الأطراف المعنية.
ولا تقتصر حماية وسائل الإعلام على النصوص القانونية فقط، بل تتطلب تعزيز أخلاقيات المهنة، وتطوير التربية الإعلامية، ونشر ثقافة التحقق من الأخبار، خاصة في ظل البيئة الرقمية التي انتشرت فيها المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التقليدية على التدقيق والمعالجة.
وفي هذا السياق، تشكل البرامج التوعوية التي تعمل عليها الجهات المختصة بالتعاون مع المؤسسات الدولية ومن بينها اليونسكو، خطوة أساسية في بناء مجتمع قادر على التعامل مع المعلومات بوعي ومسؤولية، ومواجهة ظاهرة التضليل الإعلامي التي أصبحت من أبرز تحديات العصر.
في الختام، يشكل مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والإعلام على أسس مختلفة، تقوم على الحرية والمسؤولية والاستقلال. وهي لا تهدف فقط إلى تعديل القوانين القديمة، بل تسعى إلى إرساء رؤية حديثة للإعلام باعتباره ركيزة أساسية للديمقراطية وسيادة القانون.
إن إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وإنشاء قضاء مدني متخصص، وتنظيم الإعلام الرقمي، وإنشاء هيئة رقابية مستقلة، كلها خطوات يمكن أن تضع لبنان أمام مرحلة جديدة من العمل الإعلامي الأكثر مهنية وحرية.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس على إقرار النص التشريعي فحسب، بل على ضمان تنفيذه بروح الإصلاح التي انطلق منها، وبما يعزز الثقة في الإعلام، ويحمي حق المواطن في المعرفة، ويعزز دور الصحافة كفضاء للنقاش العام والمساءلة وبناء دولة القانون.
د. ابراهيم العرب

#مشروع #قانون #الإعلام #نحو #تعزيز #الحرية #المسؤولة

مشروع قانون الإعلام: نحو تعزيز الحرية المسؤولة

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – مشروع قانون الإعلام: نحو تعزيز الحرية المسؤولة

المصدر : www.elsharkonline.com

.