دستور نيوز
أحمد عسيلي
وأصدرت السلطة السورية، خلال الأيام الماضية، مجموعة قرارات اقتصادية تضمنت زيادات كبيرة في الرواتب، شملت بشكل أساسي العاملين في قطاعي الصحة والتعليم. لكن هذه الزيادات لم تشمل المتقاعدين في نفس المستوى، مما أثار حالة واضحة من الإحباط والاستياء بين الفئات التي شعرت أنها ظلت خارج التحسينات الجديدة رغم السنوات الطويلة التي قضتها داخل مؤسسات الدولة. وبعد أيام، أتبعت الهيئة هذه القرارات بزيادات متفاوتة للمتقاعدين اقتربت من 30% من قيمة الراتب، وهي زيادة خففت جزءاً من حالة الغضب من دون أن تنهيها تماماً، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الرواتب. تكاليف المعيشة والخدمات الأساسية.
وأهمية هذه القرارات لا تتعلق فقط بمسألة الراتب أو القدرة الشرائية. منذ سقوط النظام، لم يشهد المجتمع السوري مرحلة انتقال سياسي فحسب، بل يمر بعملية أوسع بكثير تتعلق بإعادة صياغة المجتمع نفسه: طبقاته، ومعاييره، ومصادر مكانته داخله. اليوم هناك حركة اجتماعية وطبقية واضحة، تتم خلالها إعادة توزيع الأدوار والهيبة والشرعية بين مختلف شرائح المجتمع، وكأن البلاد تدخل مرحلة إعادة بناء شاملة، ليس للدولة فحسب، بل لصورة الإنسان «القيم» داخلها أيضاً.
وبطبيعة الحال، لا يمكن أن تمر تحولات بهذا الحجم دون انهيارات وصعود موازية، حيث فقدت طبقات بأكملها المرتبطة بالنظام السابق، وخاصة تلك المرتبطة بالأجهزة الأمنية وأدوات السلطة القديمة، فجأة وبشكل كامل مكانتها وهيبتها الاجتماعية. في المقابل، يبدو أن هناك محاولة لإعادة الاعتبار إلى القطاعات والمهن التي تراجعت مكانتها خلال العقود الماضية، وأبرزها التعليم والصحة والقضاء، من خلال إعطاء العاملين في هذا المجال مكانة ورمزية جديدة داخل المجتمع الناشئ.
ومع اتساع هامش الانفتاح والحرية، بدأ السوريون يرون عن كثب (وهذه المرة من الداخل، وليس فقط من خلال وسائل التواصل الاجتماعي) طبقات اجتماعية جديدة لم تكن حاضرة بوضوح في السابق. ومع دخول المنظمات الدولية واتساع مجالات العمل المرتبطة بالخارج، ظهرت تدريجياً مجموعات شملت العاملين في منظمات المجتمع المدني، والناشطين في مجالات حقوق الإنسان والتنمية، بالإضافة إلى التكنوقراط والموظفين العاملين في المؤسسات التجارية أو الاقتصادية الأجنبية، الذين يتمتعون بدخول مرتفعة نسبياً مقارنة ببقية المجتمع، بحكم ارتباطهم بالمؤسسات الغربية أو رواتبهم المدفوعة بالعملة. الصعب.
ولا تمثل هذه المجموعات فارقاً اقتصادياً فحسب، بل تحمل معها أيضاً أنماط حياة مختلفة ولغة جديدة وشبكات علاقات وآليات تفكير مختلفة عما اعتاد عليه السوريون منذ عقود طويلة. ومع الوقت، ستتحول هذه الفئات تدريجياً إلى جزء من الطبقة الصاعدة داخل المجتمع السوري الجديد، بما تحمله من تأثير رمزي وثقافي، وليس مالياً فقط. في المقابل، ستشعر الفئات الأخرى أن العالم الذي منحها الهيبة والقوة لعقود من الزمن، يختفي تدريجياً أمامها، وأن القواعد التي حكمت المجتمع السوري طويلاً لم تعد تعمل بنفس الطريقة.
وما يجعل هذه التحولات أكثر تعقيدا هو أن الكثير منها سيؤثر على أشخاص كانوا، حتى وقت قريب، يعيشون ضمن نفس المستوى الاجتماعي تقريبا، أو ينتمون إلى نفس البيئة، قبل أن تبدأ المسارات الجديدة في التباعد بينهم بسرعة. ولذلك فمن الطبيعي أن تصاحب هذه المرحلة اختلالات اجتماعية متزايدة وتوترات نفسية، لأن المجتمع لا يواجه تغيراً سياسياً فحسب، بل أيضاً تغيراً في مواقع الأفراد أنفسهم ضمن السلم الاجتماعي الجديد.
في الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام، بدا وكأن السوريين يفسرون كل شيء تقريباً من خلال المعادلة الطائفية. ودار الحديث بشكل أساسي حول أنصار النظام السابق، وعن سقوط نظام رأى كثيرون أنه ذو طابع عنصري، مقابل توقعات أو أوهام لدى بعض الفئات بأن المرحلة المقبلة قد تؤسس لصيغة طائفية معاكسة ذات غلبة سنية. لذلك، ارتبطت مشاعر الخوف أو النشوة أو القلق أو الشعور بالنصر، خاصة في مناطق الاحتكاك الطائفي، بمكانة الفرد ضمن هذه الازدواجية المباشرة والبسيطة نسبياً.
لكن المشهد السوري بدأ يتعقد تدريجياً. ومع مرور الوقت، لم تعد التحولات الجارية مرتبطة فقط بالطائفة أو بالموقف السياسي السابق. بل بدأت تظهر حركات جديدة ذات طابع اقتصادي وطبقي ورمزي، تتعلق بالدخل والعمل والتعليم والعلاقات بالخارج والقدرة على التكيف مع النظام الاجتماعي الجديد. وهنا بدأت تظهر مشاعر مختلفة تمامًا: شعور بالسقوط الطبقي لدى البعض، وشعور بالارتقاء أو التقدير لدى البعض الآخر. هذه المشاعر الجديدة لم تقض على المشاعر الطائفية القديمة بشكل كامل، بل أضافت إليها طبقات جديدة من التوتر والتنافس وإعادة التعريف. الذات داخل المجتمع.
ومن المؤكد أن التغيرات الاجتماعية بهذا الحجم، التي تؤثر على المكانة والطبقة والدور الاجتماعي، لن تمر بسلاسة أو هدوء، فالمجتمعات لا تتعامل مع التحولات الطبقية كأرقام اقتصادية فقط، بل كتحولات تؤثر على قيمة الفرد، وصورته عن نفسه، ومكانته داخل العالم الذي يعيش فيه. ولذلك فإن هذه المرحلة ستصاحبها مشاعر متناقضة ومكثفة في الوقت نفسه: الحسد والمرارة والشعور بالإقصاء أو فقدان المكانة لدى بعض الفئات، بينما يشعر البعض الآخر بالتفاؤل أو الاعتراف أو حتى الامتنان بأن المجتمع قد بدأ. إنه يعطي قيمة جديدة لما يمثلونه أو ما يفعلونه.
وفي الختام، يبدو أن ما يتم إعادة تأسيسه اليوم في سوريا ليس الدولة فقط، بل المجتمع نفسه: اقتصاده، وطبقاته، ومصادر الهيبة فيه، ومعنى المكانة والدور والأهمية الاجتماعية. ولذلك فمن الطبيعي أن تصاحب هذه التحولات الكبرى موجات متتالية من التوترات النفسية والعواطف المتناقضة، وأن طريقة قراءة السوريين للأحداث وموقعهم فيها ستتغير باستمرار، بحسب موقع كل فرد ضمن هذه الحركة الاجتماعية الجديدة.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#رواتب #جديدة #لمجتمع #سوري #جديد
رواتب جديدة لمجتمع سوري جديد
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – رواتب جديدة لمجتمع سوري جديد
المصدر : www.enabbaladi.net
