.

اراء و اقلام الدستور – دمشق بين “حلف الشرق الأوسط” وفخ الفوضى

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – دمشق بين “حلف الشرق الأوسط” وفخ الفوضى


دستور نيوز

خالد المطلق

بعد مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق وتولي الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، تجد دمشق نفسها اليوم أمام المنعطف الأخطر والقيمة الاستراتيجية الأعلى في تاريخها الحديث، إذ لم يعد السؤال السوري يدور حول كيفية إدارة الإرث الثقيل للدولة المدمرة، بل يدور حول طبيعة الهوية الاستراتيجية ونوع التحالفات الإقليمية التي ستختار دمشق الدخول فيها، وهو خيار لن يشكل موقف سوريا الخارجي فحسب، بل سيعيد تشكيل طبيعة الوضع الراهن. نظام الحكم، وبنيته الداخلية، وشكل السلم المدني داخله.

ومن الواضح أن الجغرافيا السياسية المحيطة بسوريا اليوم تتحرك بوتيرة سريعة، تقودها رغبة أميركية واضحة في الاستفادة من التحولات الجذرية في المنطقة، وهناك انطباع يتبلور في واشنطن بأن الإدارة الانتقالية في دمشق تبدي مرونة «براغماتية» للمضي قدماً نحو صياغة شراكة استراتيجية قد تؤدي، في ظروف مناسبة، إلى الدخول في عملية سلام مع إسرائيل. وهذا التحول ليس منعزلاً، بل يندرج ضمن الجهود الحثيثة لدمج دمشق في ترتيبات أمنية واسعة النطاق تشرف عليها الولايات المتحدة بكثافة وسرعة غير مسبوقتين، بما في ذلك ما يمكن تسميته “حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط”. وهو مشروع طُرح قبل نحو عقدين من الزمن، لكن حاجته الأميركية تتبلور الآن كأداة حاسمة لترسيخ خريطة نفوذ جديدة. ومع ذلك، لا يبدو أن هذا الطريق نحو التكامل الإقليمي مفروش بالورود. فالقوى الدولية والإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، لا تبني استراتيجياتها على النوايا، بل على اختبارات ميدانية صارمة. واليوم تقف إسرائيل في موقف المراقب الحذر، متمسكة بانتقاداتها البنيوية للوضع الداخلي السوري، وتحتفظ بحق التدخل العسكري المباشر لحماية أمنها، كما يظهر من عملياتها المستمرة لضمان عدم الغلبة لسوريا. الفصائل الجهادية المتطرفة المشهد السوري.

ويتجلى هذا القلق بشكل واضح في الوثائق والتقارير الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، والتي تعكس مخاوف عميقة بشأن عودة الفوضى والإرهاب، وتحديدا ظهور كيانات متطرفة جديدة قد تولد من رحم الانقسامات الحالية، حتى لو لم تحمل اسم “داعش”. تؤكد دعوات التنظيمات المتطرفة الأخيرة للحشد للمقاتلين الأجانب بحجة تعرضهم لـ”خيانة” رئيس السلطة الحالية، أن الساحة السورية مقبلة على اضطراب أمني وعسكري دموي يمتد كطيف رمادي واسع. ومن بين الفصائل الجهادية ومراكز النفوذ التي لا تزال كامنة داخل البيئة المحلية، وفي ظل هذا الضغط الأمني، يبدو أن القيادة المركزية قد استحوذت على زمام المبادرة الميدانية من خلال تفعيل شراكتها التكتيكية مع الحكومة الانتقالية وإعادة دمج الأدوار الأمنية “بما في ذلك الشراكات السابقة مثل قوات سوريا الديمقراطية” لإغلاق المجال السوري بشكل كامل أمام احتمالات الفوضى. ويعكس هذا التحول نحو التنسيق الأمني ​​والعسكري المباشر تحولاً في أولويات إدارة ترامب، حيث يتم تقديم الهزيمة الكاملة للإرهاب كشرط أساسي لأي اعتراف سياسي طويل الأمد.

وعلى النقيض من هذه الضغوط الأمنية، تظهر لغة المصالح والاستثمارات كأداة جذب إقليمية. إن الانفتاح الإماراتي الأخير على دمشق والتحركات الدبلوماسية الموازية من مصر والاتحاد الأوروبي لم يأت من قبيل الصدفة. بل هي رسائل “حسن نية” مشروطة وحوافز سياسية واقتصادية تهدف إلى تشجيع دمشق على اتخاذ “الخيار الاستراتيجي الصحيح”. لكن الوعود الاستثمارية الضخمة، خاصة الخليجية منها، لن تتدفق على شكل منح ريعية عمياء. بل إنها مبنية على جدوى اقتصادية صارمة وتتطلب من دمشق التكيف. هيكلي كامل من خلال تفكيك الرأسمالية الاحتكارية الفاسدة، وإصلاح مناخ الاستثمار، وتحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية بما يضمن السلم الأهلي، والحل الهيكلي من خلال إنهاء نفوذ الفصائل الطائفية والمتطرفة داخل مؤسسات الدولة. ولا تثير هذه الظروف مخاوف القوى الإقليمية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية، التي تتبنى موقفاً ديناميكياً يراقب بعناية مدى قدرة سوريا على فك الارتباط مع النفوذ الإيراني، خاصة مع إصرار طهران على البقاء عنصراً من عناصر الفوضى الإقليمية ومحاولاتها الأخيرة لفتح قنوات مع الحركات الجهادية. السنية تحت شعار العداء لواشنطن وإسرائيل. أما تركيا، فلا شك أنها سيكون لها دور اقتصادي وسياسي محوري في مستقبل سوريا، لكنه لن يكون الدور الوحيد، والأمر مرهون بمدى رغبة أنقرة في وضع نفسها ضمن الترتيبات الأميركية الجديدة من عدمه.

إن الفرصة المتاحة للحكومة الانتقالية في سوريا اليوم ليست شيكاً على بياض، وليست مفتوحة في الوقت المناسب. بل إن إيقاعها تتحكم فيه حدة الصراع الإقليمي الشامل، لا سيما مسار المواجهة المستمرة والمراجعة الأميركية الشاملة للقدرات العسكرية الإيرانية في المنطقة، بدءاً بأمن مضيق هرمز ووصولاً إلى الداخل السوري-العراقي.

باختصار، تقف سورية اليوم في ساحة اختبار رمادية بين سيناريوهين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لمتطلبات اللحظة الحاسمة وإجراء تغييرات جذرية في بنية الدولة نحو الشفافية والمشاركة ونبذ الإرهاب والاندماج في التحالف الإقليمي الجديد، أو العودة إلى مربع الفوضى الكاملة والصراع الداخلي الدموي. اللعبة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات ويسيطر عليها عناصر مجهولون وركلات متبادلة تحت الطاولة بين القوى العظمى، لكن المؤكد أن الوقت المتاح أمام دمشق للحسم وبناء سوريا الجديدة ينفد بسرعة لا ترحم من يتردد.

#دمشق #بين #حلف #الشرق #الأوسط #وفخ #الفوضى

دمشق بين “حلف الشرق الأوسط” وفخ الفوضى

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – دمشق بين “حلف الشرق الأوسط” وفخ الفوضى

المصدر : www.enabbaladi.net

.