.

اراء و اقلام الدستور – بين قمم بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/2

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – بين قمم بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/2


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب

وبينما تناولت القمة الصينية الأميركية العديد من المواضيع، بما في ذلك التجارة والاستثمار وتايوان، فإن هذه القضايا مرتبطة بجوهر التنافس الأميركي الصيني على القيادة العالمية. وعلى الرغم من التوترات، تظل العلاقة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة ضخمة ومتشابكة. وفي عام 2025، بلغ حجم التجارة 414.7 مليار دولار، أي ما يعادل ضعف التجارة الصينية الروسية التي بلغت 234 مليار دولار، وهو ما يعكس أهمية العلاقة الاقتصادية التي لا يمكن تجاهلها.

كما تعمق التبادل التعليمي والثقافي، حيث لا يزال عدد الطلاب الصينيين في الولايات المتحدة يتجاوز بكثير عددهم في روسيا، مما يدل على استمرار الجاذبية العلمية الأمريكية على الرغم من التوترات. إلا أن الكثافة الاقتصادية والتعليمية لا تعني وجود تقارب استراتيجي. بل على العكس من ذلك، يسعى كل طرف إلى تقليل اعتماده على الآخر في المجالات الحساسة. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من صعود الصين، تعمل بكين على تقليل حساسيتها تجاه العقوبات الأمريكية. بمعنى آخر، القمة ليست بداية مصالحة كبرى، بل هي محاولة لإدارة الخصومة.

في المقابل، بدت قمة شي – بوتين أكثر انسجاما، لأنها مرتبطة بسلسلة متواصلة من اللقاءات بين الزعيمين. ويعكس هذا التكرار مستوى عال من التنسيق والثقة، على الأقل في مواجهة الغرب. وكان الجانبان حريصين على تقديم الشراكة الصينية الروسية باعتبارها قوة للاستقرار العالمي، في مواجهة «الأحادية الأميركية». وهذا ليس مجرد خطاب دعائي، بل هو تعبير عن رؤية مشتركة تؤكد على نهاية الهيمنة الأمريكية.

وعلى الرغم من الاختلافات في العلاقات، فإن الصين وروسيا تتمتعان بالقدرة على إدارة خلافاتهما. فالصين أكثر حذرا، في حين أن روسيا أكثر استعدادا لمواجهة الغرب نتيجة للعقوبات التي أعقبت الحرب الأوكرانية. ومع ذلك، يتفق الطرفان على ضرورة تقليص النفوذ الأمريكي. ولذلك، يصف المسؤولون الصينيون هذه الشراكة بأنها “حجر ثقل” للسلام. وقد عبر وو داهوي من جامعة تسينغهوا عن هذا الارتباط كجسد واحد، وهو تصور صيني لنوع العلاقات القوية مع موسكو.

ولذلك يطرح السؤال هنا: هل تستطيع الولايات المتحدة استغلال الخلافات بين الصين وروسيا لخلق الفرقة بينهما؟ من الناحية النظرية، هناك اختلافات بين بكين وموسكو. فالصين قوة اقتصادية مرتبطة بالسوق الدولية وتحتاج إلى الاستقرار، بينما تعتمد روسيا على أدوات الجغرافيا السياسية. لكن من الناحية العملية، فإن هذه الاختلافات ليست كافية لخلق صدع استراتيجي. وكلما تعاظم الضغط على الصين، كلما زادت حاجتها إلى تعزيز العلاقات مع روسيا. وبالتالي فإن الدبلوماسية الثلاثية التي نجحت في السبعينيات من الصعب تكرارها اليوم. والصين الآن لا تخشى الروس بقدر ما تخشى الولايات المتحدة التي تحتل موقع التحدي الأكبر لصعودها.

وتكشف القمتان أيضاً أنه لا يوجد نظام تقليدي ثنائي القطب، بل نظام دولي انتقالي يتشابك فيه الاقتصاد والتكنولوجيا. وتحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقع قيادي، بينما تسعى الصين إلى توزيع القوة العالمية بما يتماشى مع قوتها، وتعمل روسيا على منع هيمنة واشنطن. وتهدف القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا إلى استغلال هذا التنافس لصالحها.

لذلك، تُفهم قمم بكين ضمن الصراع المتعلق بالنظام العالمي الجديد. القمة الصينية الأميركية تبحث إدارة المنافسة، فيما القمة الصينية الروسية تسعى إلى بناء جبهة ضد الهيمنة الغربية. وبين هذين الاتجاهين، تتحرك بكين بحذر، مستفيدة من علاقتها مع واشنطن، ولكن دون المساس بشراكتها مع موسكو.

في النهاية، تمثل القمة الصينية الأميركية خطوة نحو تهدئة التوترات، لكنها لا تلبي الاحتياجات الاستراتيجية لإعادة تشكيل العلاقة بين بكين وموسكو. بينما تبدو القمة الصينية الروسية أكثر وضوحاً في التنسيق. ولذلك فإن آفاق الدبلوماسية الأميركية في بكين تبدو محدودة. وتريد واشنطن أن تكون الصين جسراً للضغط على روسيا، لكن بكين لا ترى مصلحة في إضعاف شريكها، وتدرك أن المنافسة معها طويلة الأمد وغير مرتبطة بشخصيات محددة.

إن العالم الذي يتشكل اليوم ليس عالما يعود فيه النفوذ إلى أي قوة منفردة، بل هو عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على تحديد قواعد النظام الدولي. وفي هذا السياق، تميل الصين نحو الدبلوماسية المتوازنة: فهي تتفاوض اقتصادياً مع واشنطن وتنظم سياسياً مع موسكو. ولذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت الصين ستختار بين واشنطن وموسكو، بل كيف ستتم إدارة العلاقات معهما بما يساهم في تحقيق تطلعاتها الأوسع نحو التحول إلى دولة محورية في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

المحامي أسامة العرب

#بين #قمم #بكين #وواشنطن #وموسكو #حدود #الدبلوماسية #الثلاثية2

بين قمم بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/2

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بين قمم بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/2

المصدر : www.elsharkonline.com

.