.

اراء و اقلام الدستور – من إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إلى إدانة إعدام الأسرى الفلسطينيين/2

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – من إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إلى إدانة إعدام الأسرى الفلسطينيين/2


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب

فالسجناء الفلسطينيون لا يمثلون قضية جنائية عادية في نظام قضائي عادي. بل هي جزء من قضية تحرير وطني وصراع ممتد بين شعب محتل وقوة محتلة. ولذلك فإن إخضاعهم لعقوبة الإعدام التي صاغتها حكومة يمينية متطرفة، ودفع بها سياسيون مثل إيتامار بن غفير، زعيم حزب “عوتسما يهوديت”، يكشف بوضوح أن الهدف ليس تحقيق العدالة، بل إرساء ردع دموي، وترسيخ منطق القهر، وإرسال رسالة سياسية إلى الفلسطينيين مفادها أن الاحتلال لا يكتفي بالسجن والعزل والتعذيب، بل يريد إعلان السلطة القانونية على حياة وموت الأسرى.

ومن الناحية القانونية الدولية، يتعارض هذا التشريع الإسرائيلي مع عدد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي. ويتمتع الفلسطينيون تحت الاحتلال بحماية خاصة بموجب قواعد القانون الدولي، ولا يجوز التعامل معهم بمنطق العقاب السياسي أو الانتقام الجماعي. إن فرض عقوبة الإعدام في نظام قضائي يتهم باستمرار بالتمييز وانعدام المساواة وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة يجعل هذا القانون أقرب إلى تشريع العنف السياسي منه إلى تطبيق العدالة.

وهنا يطرح سؤال مهم للغاية بالنسبة للمجتمع الدولي، وخاصة الاتحاد الأوروبي: هل يمكن لأوروبا أن تكتفي مرة أخرى ببيانات القلق والإدانة؟ فهل يكفي إصدار مواقف لفظية أثناء سن القوانين التي تمس الحق في الحياة وتكرس التمييز ضد الفلسطينيين؟ تنص المادة الثانية من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، الموقعة في عام 1995 والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 2000، بوضوح على أن العلاقات بين الطرفين تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وأن هذه المبادئ تشكل عنصراً أساسياً في الاتفاقية. وبناء على ذلك فإن قانون إعدام السجناء الفلسطينيين يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار حقيقي: فإما أن يتعامل مع حقوق الإنسان كشرط سياسي وقانوني ملزم، أو أن يثبت أن هذه المبادئ قابلة للتعليق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

إن الخيارات الأوروبية، في هذه اللحظة، ليست فنية أو دبلوماسية فحسب، بل هي أخلاقية وسياسية بامتياز. فإما أن يراجع الاتحاد الأوروبي اتفاق الشراكة مع إسرائيل جدياً، ويربط العلاقات الاقتصادية والسياسية باحترام القانون الدولي، وإما أن يكتفي بالتصريحات التي لا تغير من الحقائق شيئاً. أما الأمم المتحدة فهي بدورها مطالبة بما هو أكثر من الإدانة اللفظية، لأن الموضوع يتعلق بالحق في الحياة، وحماية السجناء، ومنع تحول القانون إلى أداة للتصفية السياسية.

في هذا السياق، تبدو المفارقة صارخة: لبنان، رغم أزماته السياسية والاقتصادية والمؤسساتية العميقة، يتجه نحو أنسنة نظامه العقابي وإلغاء عقوبة الإعدام، في حين أن إسرائيل، التي تقدم نفسها على أنها “ديمقراطية”، توسع أدوات القتل ضد شعب تحت الاحتلال. هذه المفارقة ليست تفصيلية؛ بل يكشف عن اتجاهين متعارضين في فهم العدالة: اتجاه يرى في القانون وسيلة للسيطرة على سلطة الدولة وحماية الناس، واتجاه آخر يحول القانون إلى غطاء للعقاب العنصري والانتقام السياسي.

ومن ثم، لا ينبغي قراءة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان على أنه إصلاح تشريعي داخلي فحسب، بل كرسالة سياسية في لحظة إقليمية حساسة للغاية. ولبنان، إذا أكمل هذا المسار، سيكون قادراً على مخاطبة العالم من موقع أكثر انسجاماً مع مبادئ حقوق الإنسان، وسيكون مؤهلاً للانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو البروتوكول الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989، والذي يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام بشكل كامل، ويُلزم الدول الأطراف بعدم إعدام أي شخص يخضع لولايتها القضائية، واتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء هذه العقوبة نهائياً. وذلك لأن الانضمام إلى هذا البروتوكول سيمنح لبنان مكانة متقدمة في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، وسيعزز صورته كدولة تسعى، رغم ضعف مؤسساتها، إلى مواءمة قوانينها مع المعايير الدولية. كما ستشكل خطوة ضرورية لإصلاح العدالة الجنائية، وإعادة بناء الثقة في القضاء، والتأكيد على أن الرد على الجريمة لا يتمثل في إعادة إنتاج منطق القتل، بل في إرساء نظام عقابي عادل وصارم عند الضرورة، ولكن غير انتقامي وغير إنساني.

وفي الحالة الإسرائيلية، فإن فرض عقوبة الإعدام على السجناء الفلسطينيين يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في الصراع. فهو لا ينتهك القانون الدولي فحسب، بل يهدد بإدامة التمييز الهيكلي في نظام العدالة، حيث يتمتع الإسرائيليون، بما في ذلك المتورطون في أعمال العنف ضد الفلسطينيين، بهوامش واسعة من الإفلات من العقاب، في حين غالبا ما يحاكم الفلسطينيون في ظروف تفتقر إلى المساواة والضمانات الكافية. وهذا الاختلال في التوازن ليس حالة طارئة، بل هو جزء من بنية أوسع تجعل من العدالة أداة سيطرة، وليست ضمانة للحق.

ومن الناحية السياسية، فإن هذا القانون لن يؤدي إلى الأمن الذي تدعي إسرائيل أنها تسعى إليه. تثبت التجارب التاريخية أن القوانين المبنية على القمع والإذلال لا تقضي على حركات التحرر، بل تجعلها أكثر تجذرا. كلما اعتقدت سلطة الاحتلال أنها قادرة على كسر إرادة شعب عبر السجن والإعدامات، فإنها في الواقع تعمق أسباب الانفجار وتدفع الصراع إلى مستويات أكثر تعقيدا وعنفا. إن الإعدام، في سياق الاحتلال، لا يشكل عقوبة جنائية فحسب، بل يتحول أيضاً إلى رمز سياسي بالغ الخطورة ووقود إضافي لذاكرة جماعية مثقلة بالظلم.

في الختام، نحن أمام لحظة كاشفة في المنطقة: لبنان يتحرك، ولو ببطء، نحو إلغاء عقوبة الإعدام وتكريس منطق أنسنة العقوبة، في حين أن إسرائيل تتحرك في الاتجاه المعاكس، من خلال شرعنة قتل الأسرى الفلسطينيين. بين هذين المسارين، تتضح الفجوة بين الدولة التي تحاول جعل القانون قيداً على سلطتها، وقوة الاحتلال التي تسعى إلى جعل القانون امتداداً لعنفها. ولذلك فإن ما يسمى بـ”قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” ليس قانوناً بالمعنى العميق للكلمة، بل هو نص عقابي عنصري يضفي الشرعية على الانتقام، ويستهدف شعباً تحت الاحتلال، ويضيف فصلاً جديداً إلى سجل طويل من الانتهاكات. وسيكون لهذا التشريع، في حال تنفيذه، تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية، وعلى صورة إسرائيل الدولية، وعلى مستقبل الصراع برمته. فالقوانين المبنية على الظلم لا تخلق الأمن، والعقوبات التي تُسن بروح الانتقام لا تقيم العدالة، بل تولد عاجلاً أم آجلاً غضباً سياسياً وأخلاقياً في وجه من شرعها ونفذها.

المحامي أسامة العرب

#من #إلغاء #عقوبة #الإعدام #في #لبنان #إلى #إدانة #إعدام #الأسرى #الفلسطينيين2

من إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إلى إدانة إعدام الأسرى الفلسطينيين/2

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – من إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إلى إدانة إعدام الأسرى الفلسطينيين/2

المصدر : www.elsharkonline.com

.