دستور نيوز
وكتبت رماح هاشم في “نداء الأمة”:
وفي لبنان، لم تعد الأزمة الاقتصادية تقاس فقط بارتفاع سعر صرف الدولار أو تراجع القوة الشرائية، بل تنعكس بشكل مباشر في تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التخلي تدريجياً عن الكثير من الأمور التي كانت تعتبر في السابق جزءاً طبيعياً من نمط الحياة. وبين الرواتب المحدودة والارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، تغيرت الأولويات، وتحولت بعض الضروريات إلى «كماليات» في زمن الفقر.
التحول في حياة اللبنانيين لم يعد يقتصر على السفر أو شراء العلامات التجارية أو الذهاب إلى المطاعم الفاخرة، بل يشمل أشياء كانت حتى وقت قريب تعتبر ضرورية اجتماعيا وصحيا ونفسيا، مثل الزيارات العائلية والمناسبات الاجتماعية والفحوصات الطبية المنتظمة، وحتى بعض الأنشطة البسيطة التي تمنح الفرد متنفسا من ضغوط الحياة.
تقليل الزيارات الاجتماعية
وفي مجتمع معروف منذ زمن طويل بروابطه الاجتماعية القوية، بدأت الزيارات العائلية تتراجع بشكل واضح. تكلفة المواصلات وحدها أصبحت عبئا على الكثير من الأسر، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود. بدأ الكثير من الأشخاص بالتوقف عن حضور المناسبات أو تقليل الزيارات إلى الحد الأدنى، ليس بسبب ضعف العلاقات، بل نتيجة عدم القدرة على تحمل التكاليف المرتبطة بالتنقل أو حتى شراء هدية رمزية.
تقول إحدى النساء: “كانت العائلة تجتمع بشكل شبه أسبوعي، لكن الظروف الاقتصادية فرضت واقعاً جديداً”، مضيفة: “حتى الزيارات الآن تتطلب مصاريف، من البنزين إلى الضيافة، وكل شيء أصبح غالي الثمن”.
أما المناسبات الاجتماعية فقد تغيرت ملامحها بشكل كبير. حفلات أعياد الميلاد أصبحت أكثر بساطة، وتقلصت حفلات الزفاف بشكل كبير، فيما تراجعت الدعوات إلى المطاعم والمقاهي، بعد أن أصبحت الفاتورة فوق قدرة العديد من العائلات.
الطب عبء مؤجل!
ولعل من أخطر مظاهر الأزمة الاقتصادية تراجع القدرة على الاهتمام بالصحة. وبدأ العديد من اللبنانيين بتأجيل زيارة الطبيب أو إجراء الفحوصات الطبية بسبب ارتفاع تكلفتها، خاصة في ظل غياب أي تغطية صحية فعلية لشريحة كبيرة منهم.
يقول مواطن لا يملك تأميناً صحياً: «لم يعد يزور الطبيب إلا عند الضرورة القصوى»، موضحاً أن «الفحص وحده أصبح مكلفاً، ناهيك عن أسعار الأدوية والفحوصات»، فيما تشير امرأة أخرى إلى أنها «ألغت المتابعة الدورية التي كانت تقوم بها منذ سنوات لعدم قدرتها على تحمل المصاريف الطبية».
ومن التحولات التي فرضتها الأزمة الاقتصادية، ظاهرة لجوء عدد كبير من اللبنانيين إلى استشارة الصيدلي بدلاً من زيارة الطبيب، في محاولة للتخفيف من الأعباء المالية الباهظة المرتبطة بالفحوصات الطبية. بالنسبة للعديد من العائلات، تكلفة الفحص وحدها تتطلب “ميزانية” خاصة، خاصة عندما تضاف إليها تكلفة الفحوصات والأدوية.
ويشير عدد من الصيادلة إلى أن المواطنين الآن يتوجهون إلى الصيدلية أولا لشرح أعراضهم وطلب الدواء مباشرة، بدلا من التوجه إلى العيادات الطبية كما كان الحال سابقا. يطلب البعض مسكنات أو أدوية للالتهابات والحساسية وحتى مشاكل المعدة وضغط الدم، معتمدين على الوصفات الطبية القديمة أو على نصائح المحيطين بهم، في ظل صعوبة تحمل تكاليف الفحص الطبي.
يقول موظف براتب متواضع، إن «زيارة الطبيب أصبحت خياراً مؤجلاً إلا في الحالات الطارئة»، موضحاً أن «الفحص قد يعادل أحياناً جزءاً كبيراً من الراتب، لذلك نحاول قدر الإمكان أن نقتصر على استشارة الصيدلي».
ورغم الدور المهم الذي يلعبه الصيادلة في الإرشاد الصحي الأولي، إلا أن المختصين يحذرون من خطورة الاعتماد كلياً على التشخيص غير الطبي، إذ قد يتسبب ذلك في تأخير اكتشاف بعض الأمراض أو تضاعف المشكلات الصحية نتيجة الاستخدام العشوائي للأدوية.
حتى طب الأسنان، الذي كان جزءًا من الرعاية الصحية المنتظمة، تم تأجيله بالنسبة للكثيرين بسبب تفاقم المشكلة. كما أصبح بعض المرضى يعتمدون على المسكنات بدلا من المتابعة الطبية المنتظمة، مما يثير مخاوف من تداعيات صحية خطيرة على المدى الطويل.
ويتأثر الاقتصاد أيضا
وهذا التحول في سلوك المستهلك لا ينعكس فقط على الحياة الاجتماعية، بل يؤثر أيضاً على الاقتصاد اللبناني ككل. ويؤدي تراجع الإنفاق الاستهلاكي إلى انكماش نشاط السوق، مما يؤثر سلباً على المؤسسات التجارية وفرص العمل والإنتاج المحلي.
ويرى اقتصاديون أن الأزمة لم تعد أزمة مالية فقط، بل أزمة نمط حياة أيضا، إذ انتقل اللبنانيون من مرحلة البحث عن الرفاهية إلى مرحلة البحث عن الاستقرار وتأمين الاحتياجات الأساسية فقط.
حياة تتغير
يعيش اللبنانيون اليوم معادلة يومية صعبة، إذ يحاولون الموازنة بين الدخل المحدود والمتطلبات التي لا تتوقف عن الارتفاع. بين فواتير الكهرباء والوقود والدواء والغذاء، تتضاءل تدريجياً مساحة الأشياء التي كانت تمنح الناس بعض الراحة أو الفرح أو التواصل الاجتماعي.
#عندما #يمرض #الاقتصاد.. #لا #تنجو #الصحة
عندما يمرض الاقتصاد… لا تنجو الصحة
– الدستور نيوز
مال و اعمال – عندما يمرض الاقتصاد… لا تنجو الصحة
المصدر : www.imlebanon.org
