.

اراء و اقلام الدستور – الدفاع عن هوية وطن بأكمله كتب اسمه بالحروف والفكر والإبداع

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – الدفاع عن هوية وطن بأكمله كتب اسمه بالحروف والفكر والإبداع


دستور نيوز

بقلم نادين شلهوب

منذ بداية الهجرة من لبنان إلى الأمريكتين والعالم، كان المهاجر اللبناني يغادر أرضاً صغيرة المساحة، كبيرة بشعبها وثقافتها وطموحها. في تلك المرحلة، لم يكن اسم لبنان معروفاً عالمياً كما هو اليوم، إذ عُرفت المنطقة أكثر باسم “الشام”، نظراً لاتساع الجغرافيا السورية وحضورها السياسي والإداري في الوعي العالمي آنذاك. ولذلك، فإن العديد من المهاجرين اللبنانيين، عندما يُسألون من أين أتوا، يجيبون بأنهم من «المشرق»، قبل أن يوضحوا أن قريتهم أو بلدهم تقع في لبنان.

لكن مع مرور الوقت، لم يبق لبنان مجرد اسم صغير على خريطة الشرق، بل أصبح بفضل شعبه علامة ثقافية وفكرية مشرقة في العالم. من الأدب إلى الصحافة، ومن الشعر إلى الفكر والفن، استطاع اللبنانيون فرض حضورهم وجعل اسم لبنان معروفاً في كل القارات. وكان لأدباء المهجر الدور الأبرز في نقل صورة لبنان الثقافية إلى العالم، لدرجة أن اسم لبنان أصبح يذكر من خلال إبداعهم وفكرهم وحضورهم الإنساني الكبير.

بدأ الجدل في نيويورك، بإقامة نصب تذكاري لتكريم أدباء المهجر الكبار: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، حيث تم تقديمهم على أنهم من «الهوية السورية»، في خطوة أثارت غضباً واسعاً في تاريخ النهضة العربية. والمسألة هنا لا تتعلق بتفصيل بروتوكولي أو وصف عابر، بل بمحاولة طمس حقيقة تاريخية وثقافية راسخة وموثقة يعرفها كل من قرأ تاريخ الأدب العربي الحديث.

لبنان ليس مجرد بقعة جغرافية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بل منارة للفكر والحضارة والثقافة. ومن جبيل، أقدم مدينة مأهولة في العالم، جاءت الرسالة إلى الإنسانية، ومن جبال لبنان ووديانه ومدارسه وجامعاته، ظهرت أسماء خلقت نهضة المشرق العربي وأعادت الأدب العربي إلى بريقه في العصر الحديث. لم يكن لبنان يوماً غريباً عن الثقافة، بل كان قلبه النابض وصوته الحر.

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما كان الشرق يعيش مخاض نهضة فكرية، ظهر أدباء ومفكرون لبنانيون حملوا قضايا الإنسانية والحرية والهوية إلى العالم. ولم يكونوا مجرد أسماء في الكتب الأدبية، بل كانوا ركائز النهضة العربية الحديثة، ومنارات فكرية أثرت مكتبات الشرق والعالم.

وكان ذلك لكتاب الشتات، على سبيل المثال لا الحصر

جبران خليل جبران، ابن بلدة بشري اللبنانية، حمل لبنان في قلبه إلى نيويورك والعالم. لغته وصوره وحنينه وحتى فلسفته الإنسانية، كانت مشبعة بروح لبنان وجباله وأرزه.

ميخائيل نعيمة ابن بسكنتا أعاد صياغة الفكر النقدي والأدبي العربي بلغة عميقة وحديثة.

بينما كان أمين الريحاني ابن الفريكة من أوائل الذين دعوا إلى الحوار بين الشرق والغرب وإلى النهضة العربية القائمة على الحرية والعقل.

يعد أحمد فارس الشدياق من رواد النهضة العربية، وكان له الأثر الكبير في تطور اللغة والصحافة.

محمد علي شمس الدين، أحد أبرز شعراء لبنان المعاصرين.

وأيضا حسن كامل الصباح شخصية علمية وفكرية بارزة.

حسين مروة، صاحب مؤلفات مهمة في الفكر العربي.

هؤلاء وغيرهم لم يكونوا شخصيات عابرة أو مجهولة. ولا تزال قراهم موجودة في لبنان، وبيوتهم ومتاحفهم ومخطوطاتهم محفوظة على أرضه، وذكراهم حية بين أهلهم وأحفادهم وأفراد بيئتهم. وهناك عائلات وأقارب وأشخاص تعلموا منهم وتأثروا بإرثهم الفكري والثقافي، ولا يزال بعض أفراد أسرهم على قيد الحياة إلى اليوم. فكيف يمكن لأي حدث أو نصب أو خطاب في الخارج أن يتجاوز هذه الحقيقة الواضحة كالشمس، ويحاول أن ينسب هؤلاء الكتاب إلى هوية أخرى تمحي جذورهم اللبنانية؟

إن التاريخ الثقافي ليس تفصيلا بسيطا، بل هو خطر على ذاكرة الأجيال القادمة. وعندما يترك المجال لتشويه الحقائق، فمن الممكن بعد سنوات أن يأتي جيل لا يعرف من خلق النهضة العربية، ولا من رفع اسم لبنان عالياً في العالم. والأخطر من ذلك أن الصمت أمام هذا التجاوز يفتح الباب أمام فقدان جزء من الهوية الثقافية اللبنانية نفسها.

لا يكفي اليوم أن يبقى الدفاع عن لبنان محصوراً في السياسة والأزمات اليومية. والمعركة الحقيقية هي أيضًا معركة الثقافة والذاكرة والهوية. ومن دون حماية التراث الفكري اللبناني، ستضيع صورة لبنان التي عرفها العالم: لبنان الكتب والشعر واللغة والصحافة والمسرح والفكر والحرية.

أين صوت المثقفين اللبنانيين؟ أين الجامعات واتحادات الكتاب والمغتربين اللبنانيين المنتشرين في العالم؟

ولا يمكن القبول بغياب حقيقة تاريخية موثقة أصبحت معروفة للجميع.

لقد حان الوقت لأن يتحرك أهل الثقافة والفكر للدفاع عن هذا التراث، ليس بروح التعصب، بل بروح حماية الحقيقة التاريخية والحفاظ على ذاكرة لبنان الثقافية.

لبنان الذي أعطى الشرق جبران ونعيمة والريحاني وغيرهم، لا ينبغي أن يُسرق منه تاريخه بصمت. لأن الدفاع عن هؤلاء ليس دفاعاً عن الأسماء فقط، بل هو دفاع عن هوية أمة بأكملها كتب اسمها بالحروف والفكر والإبداع.

ما حدث في نيويورك ليس تفصيلا عابرا يمكن تجاهله، بل هو حادثة لم تعرف دوافعها بعد. ولذلك فإن الأمر يتطلب دفاعاً واضحاً وتصحيحاً علنياً للحقيقة قبل أن تتحول إلى واقع يتكرر مع مرور الوقت.

والحقيقة لا يمكن حجبها، لأن التاريخ الحقيقي لا يُكتب بالدعاية، بل بالحقائق والجذور والذاكرة الحية.

نادين شلهوب

#الدفاع #عن #هوية #وطن #بأكمله #كتب #اسمه #بالحروف #والفكر #والإبداع

الدفاع عن هوية وطن بأكمله كتب اسمه بالحروف والفكر والإبداع

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الدفاع عن هوية وطن بأكمله كتب اسمه بالحروف والفكر والإبداع

المصدر : www.elsharkonline.com

.