دستور نيوز
بقلم د. سمير صالحة
“أساس ميديا”
لا تتعامل واشنطن مع الملف الإيراني باعتباره ساحة صراع داخلي مفتوح، بقدر ما تديره ضمن إطار مؤسسي يحد من تأثير التناقضات، ويمنعها من أن تصبح عامل كسر في بنية القرارات الاستراتيجية.
يُنظر إلى الملف الإيراني في أميركا كقضية تدار ضمن معادلة تضبط التباين الداخلي وتحد من تداعياته، وليس كمسار يؤدي بالضرورة إلى مواجهة سياسية دستورية واسعة. ورغم الخلافات المتزايدة داخل المؤسسات الأميركية في مقاربتها لهذه القضية، لا يبدو أن هذا الانقسام سيؤدي إلى تحول جذري في اتجاه السياسة الخارجية أو في طبيعة قراراتها بشأن طهران.
والسياسة الأميركية تجاه إيران، في هذه الحالة، لا تصاغ باعتبارها انعكاساً مباشراً للضغوط الداخلية، بل هي نتاج تفاعل بين بنية مؤسسية معقدة وحسابات استراتيجية أوسع تتعلق بإدارة التوازنات الدولية.
شبكة أرصدة
ومن هنا فإن الخلاف السياسي الواضح بين الرئاسة الأميركية والكونغرس لا يشير إلى تفكك في عملية صنع القرار، بقدر ما يعكس نمطاً مستقراً في إدارة الخلاف داخل النظام نفسه. وسيتم إعادة ترتيب الفوارق وتوزيع الأدوار المؤسسية دون أن تتحول إلى حالة من الاختلال أو الانفجار المؤسسي.
وتطرح مجموعة من الأسئلة التي تحكم قراءة هذا الملف:
– كيف يمكن تحديد حدود الانقسام داخل الولايات المتحدة في التعامل مع ملف مثل إيران؟ فهل يعكس هذا التقسيم اختلافاً في الرؤية الاستراتيجية أم اختلافاً في إدارة إيقاع القرارات؟
– إلى أي مدى يستطيع الكونجرس تحويل أدواته الرقابية إلى تأثير فعلي على مسار السياسة الخارجية، أم أن دوره يبقى مقتصرا على حدود الضغوط السياسية غير الملزمة؟
وإلى أي مدى تظل السياسة الأميركية تجاه إيران محكومة باعتبارات النظام الدولي الأوسع، في ظل تنافس يهدف إلى دفع واشنطن نحو مراجعة أولوياتها؟
التحرك ضمن شبكة من التوازنات
وفي الملف الإيراني، تتحرك واشنطن ضمن شبكة توازنات أوسع من البيئة الداخلية، ومنفتحة على السياق الدولي، بحيث تصبح السياسة الخارجية نتاج تفاعل مستمر بين الاعتبارات الداخلية والقيود الاستراتيجية الخارجية، وليس انعكاسا مباشرا لأي منهما.
ومن هنا فإن المشكلة لا تتعلق بوجود الانقسام نفسه، بل بحدود تأثيره على القرار عندما يدار ضمن منظومة مؤسسية تمنعه من أن يصبح عامل كسر أو تغييراً جذرياً في الاتجاه الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، تحتفظ السلطة التنفيذية بهامش أوسع في إدارة السياسة الخارجية، تدعمه قدرتها على التحرك السريع في لحظات التصعيد أو إعادة التموضع، فيما تبقى الأدوات التشريعية والرقابية محكومة بسقوف تحد من تحولها إلى أدوات عرقلة مباشرة، في ظل كونغرس لا يتحرك ككتلة سياسية موحدة في قضايا الأمن القومي، بل يعمل ضمن انقسام حزبي يجعله في موقع نفوذ سياسي أكثر من موقع اتخاذ القرار التنفيذي.
ويعكس هذا التوازن نمطاً متكرراً في التجربة الأميركية، حيث لا يؤدي تزايد حدة الانقسام الداخلي حول القضايا الحساسة إلى تغيير جذري في الاتجاه الاستراتيجي، بل إلى إعادة توزيع أدوار المؤسسات داخل القرار نفسه.
لكن في الملف الإيراني، يكتسب هذا النمط درجة أعلى من التعقيد، بسبب تداخل البعد العسكري مع البعدين الاقتصادي والدبلوماسي، فيصبح القرار الأميركي عملية تراكمية مستمرة، وليس لحظة سياسية منفصلة قادرة على الحسم أو نقطة التحول.
ولا يفهم الانقسام داخل النظام السياسي الأميركي على أنه خلل في عملية صنع القرار، بل كجزء من آلية إدارته، حيث يتم إعادة احتواء الاختلاف ضمن بنية مؤسسية تحافظ على استمرارية الاتجاه العام للسياسة الخارجية.
وفي هذا الوعي تتعامل إيران مع اختلافات الوضع الأميركي على أنها لحظات سياسية يمكن استغلالها. فهي تريد الرهان على استخدام الإيقاع الداخلي في واشنطن لتحسين شروطها التفاوضية، دون الأخذ بعين الاعتبار قدرة القوة الأميركية، رغم انقسامها، على توحيد سياساتها في التعامل معها.
فالسلوك الإيراني هنا، رغم فعاليته التكتيكية، يظل محدود التأثير، إذ يرتبط بإيقاع السياسة الداخلية في واشنطن أكثر من ارتباطه ببنيتها الاستراتيجية. وبذلك تصبح غير قادرة على إحداث تغيير في اتجاه القرار الأميركي، ومن ثم تتبدد مع تغير الظروف السياسية والعسكرية.
التفاعل المعقد بين المستويات
وتراهن إيران على أن القرار الأميركي، رغم تماسكه المؤسسي، لا يخلو من تباينات داخلية في التقييم، لكن ما يغيب عنها هو أن تبقى هذه التباينات ضمن حدود لا تسمح بإعادة تحديد الاستراتيجية العامة تجاهها.
ترتبط السياسة الأميركية ببنية مؤسسية واستراتيجيّة تتجاوز الإيقاع الانتخابي، بحيث تحافظ خطوطها العامة على قدر كبير من الاستقرار مع تغيُّر الخطاب وتغيّر السياقات الداخلية. إن التعدد المؤسسي في النظام الأمريكي لا يؤدي إلى إضعاف القرار، بل إلى إعادة تشكيل آلية إنتاجه من خلال توزيع الأدوار بين المؤسسات، بما يضمن استمرارية الاتجاه الاستراتيجي العام.
وفي هذا الإطار، لا يُترجم الانقسام الداخلي إلى تحولات جوهرية في السياسة الخارجية، بل إلى إعادة تنظيم لأدوات التنفيذ وتوقيت الحراك، مما يجعل القرار نتاج تفاعل معقد بين مستويات متعددة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاستراتيجية.
فالسلوك الأميركي لا يتحكم فيه «مضمون الانقسام» بقدر ما يتحكم فيه «إيقاع القرار» داخل النظام نفسه. في المقابل، تتحرك إيران ضمن هذه البنية كمنظومة متعددة المستويات تسمح بهامش محدود لالتقاط لحظات التباين، لكن هذا الفضاء يظل مقيداً بإيقاع السياسة الأميركية، وليس ببنيتها، فيصبح تأثيرها ظرفياً ومؤقتاً.
وتوفر الخلافات داخل واشنطن هامشاً للتحرك التكتيكي الإيراني، لكنها لن تمنح طهران الفرصة لرسم اتجاه جديد في السياسة الأميركية تجاهها، حيث تظل هذه السياسة محكومة بسقف استراتيجي أوسع يتكرر إنتاجه باستمرار داخل مؤسسات صنع القرار الأميركية.
د. سمير صالحة
#فالتناقضات #داخل #واشنطن #لا #تفيد #طهران
فالتناقضات داخل واشنطن لا تفيد طهران
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – فالتناقضات داخل واشنطن لا تفيد طهران
المصدر : www.elsharkonline.com
