دستور نيوز
المهندس بسام برغوت
ومن أعظم نعم الله على عباده الثبات على الدين، مما يحمي الإنسان من الضياع والانحراف، ويمنحه الطمأنينة والقوة. المؤمن الحقيقي هو الذي يظل متمسكاً بدينه وأخلاقه مهما تغيرت الظروف من حوله. ومهما مر به من ضعف أو حزن أو ضغوط فإنه يذكر الله ويداوم على طاعته، فيجد في قلبه نورا يهديه إلى الطريق الصحيح، كما قال الله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة) (سورة فصلت).
فالاستقامة والثبات سبب لنيل رحمة الله ورضاه، كما أنهما سبب لأمن الدنيا والآخرة.
ومن أعظم أسباب الثبات على الدين:
- قوة الإيمان بالله عز وجل، والتي تجعل الإنسان يشعر برقابة الله في كل لحظة، فيبتعد عن المعصية ويندفع إلى الطاعة. كلما اقترب العبد من الله كلما أصبح أكثر استقرارًا واطمئنانًا. ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام، والصحابة رضي الله عنهم، من أكثر الناس ثباتاً، لأن قلوبهم كانت مملوءة بالإيمان واليقين. لقد تحملوا الأذى والتعذيب والفقر من أجل الحفاظ على دينهم، ولم يتخلوا عن إيمانهم رغم قسوة الظروف.
- المحافظة على الصلاة. عندما يقف المؤمن أمام الله خمس مرات في اليوم يشعر بالراحة والطمأنينة، ويتجدد إيمانه باستمرار، ويحفظه الله من الانحراف والضياع. قال الله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة) (سورة البقرة).
- اقرأوا القرآن الكريم بتدبر، فهو كلام الله الذي يحيي القلوب، ويقوي النفوس، ويوجهها إلى الخير. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى القرآن عند الشدائد لأنه مصدر الهداية والطمأنينة. قال الله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (سورة الإسراء).
- الدعاء هو سلاح المؤمن ووسيلة التقرب إلى الله. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بالثبات مع أنه خير الناس. وكان يقول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”. وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان إيمانه قوياً يحتاج دائماً إلى عون الله وتوفيقه.
- الصحبة الصالحة، واختيار الأصدقاء الصالحين الذين يقودون إلى الخير. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يحب». الصديق الحقيقي هو الذي يساعد صديقه على الثبات والاستقامة والطاعة.
- الابتعاد عن المعاصي، لأنها تضعف الإيمان، وتبعد الإنسان عن الله. كل ذنب يترك أثراً في القلب، وإذا استمر الإنسان فيه قد يقسو قلبه ولا يتأثر بالعتاب. ولهذا يجب على المسلم أن يبادر بالتوبة كلما أخطأ، ولا ييأس من رحمة الله. قال تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين» (سورة البقرة)، خاصة في هذا العصر المليء بالفتن والابتعاد عن الدين، خاصة عبر وسائل الاتصال الحديثة.
- فتذكر الآخرة والموت والحساب يدفع المؤمن إلى ترك الذنوب والتمسك بالطاعات. وقد كان السلف الصالح يكثرون من ذكر الموت لأنه يلين القلوب ويبعدها عن الغفلة.
ومن الأمثلة العظيمة على الثبات على الدين قصة سيدنا يوسف عليه السلام. تعرض للتجربة، لكنه تمسك بطاعة الله ورفض الوقوع في الخطيئة رغم توافر الأسباب. قَالَ: «مَعَاذَ اللَّهِ» (سورة يوسف)
وكان جزاؤه أن رفع الله شأنه وأكرمه بعد الصبر والثبات. تعلمنا هذه القصة أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وأن الثبات على الحق قد يكون صعباً في البداية ولكنه يؤدي إلى الخير والسعادة.
وكذلك قصة أصحاب الكهف الذين ثبتوا على إيمانهم رغم ظلم قومهم، فاختاروا الهجرة حفاظاً على إيمانهم. وقد ذكرهم الله في القرآن ليكونوا قدوة لكل مؤمن متمسك بدينه مهما كانت الظروف. قال الله تعالى: «إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى» (سورة الكهف).
والثبات على الدين لا يكون فقط في الشدة، بل يجب أن يكون في جميع الأحوال، في الرخاء كما في الشدة. كثير من الناس يتقربون إلى الله عند المصائب ثم يبتعدون عند الفرج، أما المؤمن الحقيقي فهو ثابت في كل وقت. يشكر الله على النعم، ويصبر على الضيقات، ويعلم أن الدنيا دار اختبار وليست مكان راحة دائمة.
يجب أن يكون للأسرة دور مهم في تربية الأبناء على الثبات على الدين، وذلك من خلال تعليمهم الصلاة والقرآن والأخلاق الحميدة منذ الصغر. فالطفل الذي ينشأ في بيئة جيدة سيكون أقرب إلى النزاهة والاستقرار عندما يكبر. كما أن القدوة الحسنة للوالدين لها تأثير كبير على الأطفال، لأنهم يتعلمون من خلال الأفعال أكثر من الكلمات.
والثبات على الدين لا يعني التطرف أو القسوة، بل يعني التوازن والاعتدال والالتزام بأوامر الله بالرحمة والحكمة. الإسلام دين يسر ورحمة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو والتطرف. والمؤمن الصامد هو الذي جمع بين العبادة والأخلاق الحميدة، وكان رحيماً متسامحاً أميناً مع الناس.
وفي الختام، يبقى الثبات على الدين نعمة عظيمة تحتاج إلى جهد وصبر وصلاة دائمة. يعيش المؤمن في الدنيا وسط فتن كثيرة، لكنه يستطيع أن يحافظ على دينه إذا تمسك بالله وحافظ على القرآن والصلاة والصحبة الصالحة. الثبات ليس أمراً مستحيلاً، بل هو طريق يسلكه من يحب الله بإخلاص ويسعى إلى رضاه. ولذلك يجب على كل مسلم أن يحرص على تقوية إيمانه والابتعاد عن كل ما يضعفه، وأن يسأل الله دائما أن يثبته على الحق حتى يلقاه ويرضى به.
المهندس بسام برغوت
#حديث #الجمعة #الثبات #على #الدين
حديث الجمعة – الثبات على الدين
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة – الثبات على الدين
المصدر : www.elsharkonline.com
