.

اراء و اقلام الدستور – نهاية سياسة العمى الأميركية: من الاحتواء إلى الحسم

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – نهاية سياسة العمى الأميركية: من الاحتواء إلى الحسم


دستور نيوز

بقلم موفق حرب

“أساس ميديا”

على مدى ثلاثة عقود متتالية، كان لدى لبنان جواب جاهز لكل ضغوط أميركية أو إسرائيلية بشأن «حزب الله»: لا يمكن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة لأن محاولة ذلك قد تفتح أبواب حرب أهلية، وثمن الإكراه سيكون أكبر من ثمن التعايش معه.

لسنوات عديدة، عاشت واشنطن مع هذه المعادلة. قبلته إبان الوصاية السورية، ثم بعد الانسحاب السوري عام 2005، وحتى مع توسع «الحزب» عبر الاغتيالات وحرب 2006 واتفاق الدوحة وحكومات الوحدة الوطنية، حتى تحولت سياسة التجاهل الأميركية تدريجياً من خيار مؤقت إلى نهج شبه راسخ. لكن تلك الحقبة قد انتهت.

عندما يجتمع الوفدان اللبناني والإسرائيلي في واشنطن يومي 14 و15 مايو/أيار لإجراء جولة ثالثة من المحادثات، بمشاركة عسكرية لأول مرة، لمناقشة التدابير العملية على الأرض، فإنهما يفعلان ذلك في ضوء نهج أميركي مختلف جذرياً.

وكان وزير الخارجية ماركو روبيو واضحا: السلام ممكن، ولكن فقط إذا امتلكت الحكومة اللبنانية الإرادة والقدرة الحقيقيتين على مواجهة “الحزب”.

التحولات الهيكلية؟

ولم يعد لبنان مطالباً بإدارة «الحزب» أو احتوائه. والمطلوب هو تفكيك معادلتها العسكرية والسياسية. وهكذا تعلن واشنطن أن الرد اللبناني التقليدي لم يعد مقبولاً.

لكن التحول لا يرتبط فقط بتغير موقف المؤسسات الأميركية، بل بالمصلحة المباشرة للرئيس دونالد ترامب نفسه، الذي أصبح ينظر إلى لبنان من زاويتين مترابطتين: أولاً كجزء من إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد الحرب مع إيران، وثانياً كفرصة لإنتاج إنجاز دبلوماسي إضافي في الشرق الأوسط يضاف إلى إرثه التفاوضي.

ويبدو اهتمام ترامب أكثر جدية من المقاربات الأميركية السابقة لأنه لا يتعامل مع لبنان كقضية جانبية، بل كحلقة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إغلاق الجبهات المفتوحة المحيطة بإسرائيل، وتقليص نفوذ إيران، وإعادة صياغة البنية الأمنية الإقليمية. لكن جدية الاهتمام لا تعني استعداداً أميركياً لقبول التردد اللبناني التقليدي. على العكس من ذلك: كلما ارتفع مستوى الاهتمام، ارتفع سقف المطالب والضغوط.

ما تغير ليس تفصيلاً تكتيكياً، بل ثلاثة تحولات بنيوية متزامنة:

  • أولاً، تغير السياق العسكري بطريقة غير مسبوقة. خلال حرب إيران التي اندلعت في فبراير 2026، شن حزب الله أكثر من 1300 موجة من الهجمات ضد إسرائيل، وانحاز بوضوح إلى طهران، وساهم بشكل مباشر في تصعيد إقليمي واسع النطاق. وهكذا ضاع هامش الغموض الأخير الذي استفاد منه «الحزب» منذ عقود. فهي لم تعد «مقاومة» يختلف اللبنانيون على تعريفها، بل أصبحت لاعباً عسكرياً واضحاً في حرب إقليمية.
  • ثانياً، لبنان الرسمي نفسه تغير. وللمرة الأولى منذ عقود، لا تطلب بيروت من واشنطن أن تفهم عجزها، بل أن تدعمها في طريق استعادة سيادة الدولة وتقليص نفوذ السلاح خارج مؤسساتها.
  • ثالثاً، تغيرت طبيعة الإدارة الأميركية. إدارة ترامب لا تتعامل مع أزمات الشرق الأوسط بمنطق الاحتواء الطويل، بل بمنطق الضغط والحسم والحدود الزمنية.

أما إسرائيل فهي بدورها تدخل في أي مسار تفاوضي على أساس خطوط حمراء واضحة جداً. وما يمكن أن تقبله إسرائيل ليس سلاماً رسمياً أو تفاهمات غامضة تسمح بتكرار نفس التهديد بعد سنوات. والحد الأدنى الإسرائيلي هو ضمانات أمنية ملموسة: إزالة القدرات العسكرية الثقيلة للحزب من الحدود، وتفكيك البنية التحتية الصاروخية والمسيرات الهجومية، وتعزيز دور الجيش اللبناني على نحو يمكن التحقق منه عمليا، وليس نظريا فقط. أما بقاء «الحزب» قوة عسكرية مستقلة قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي، فيبدو ذلك خارج نطاق ما هو مقبول لإسرائيل بعد حرب 2026 وبالتأكيد بعد 7 أكتوبر. وهذا يعني أن أي اتفاق مستدام لن يقاس باللغة الدبلوماسية فقط، بل بمدى تغير الحقائق الأمنية على الأرض.

ولكن هذا هو بالضبط المكان الذي تبدأ فيه المعضلة الحقيقية.

ربما تكون الدولة اللبنانية قد أعلنت نواياها، لكن تحويل النوايا إلى أفعال في مواجهة قوة تمتلك ترسانة ضخمة، وقاعدة شعبية واسعة، وجذور عميقة، أمر مختلف تماماً.

ولم تكن الحجة اللبنانية القديمة ذريعة، بل كانت تعبيراً عن هشاشة بنيوية حقيقية. حكومة عون والسلام مطالبة اليوم بالتنقل بين استعادة الدولة ومنع الانفجار الداخلي. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نحن أمام مفاوضات تؤسس لسلام حقيقي، أم أننا أمام محاولة لصياغة ترتيب أمني هش مغلف بلغة السلام؟

الاحتواء أم الضغط؟

حتى الآن تتحدث بيروت عن اتفاق عدم اعتداء، وليس عن معاهدة سلام كاملة. الفرق أساسي. عدم الاعتداء قد يخفف من التصعيد، لكنه لا يجيب على الأسئلة الكبرى: مصير سلاح حزب الله، مستقبل الجنوب، شكل العلاقة مع إسرائيل، ودور الدولة اللبنانية في فرض سيادتها الكاملة.

لقد أنهت واشنطن سياسة التجاهل، لكنها لم تنهِ التعقيد اللبناني. بل نقل الضغوط من الخارج إلى داخل لبنان، حيث يُطلب من حكومة هشة أن تنجز ما فشلت عقود من التنازلات في تحقيقه.

وإذا فشلت بيروت في ترجمة تعهداتها إلى حقائق، فقد تجد واشنطن نفسها أمام خيارين: إما العودة إلى سياسة الاحتواء، أو الانتقال إلى ضغوط أقوى قد تهدد الاستقرار الهش في لبنان نفسه.

محادثات واشنطن هذا الأسبوع لن تحسم السلام النهائي، لكنها ستكشف حقيقة أكثر إلحاحاً: هل يملك لبنان الرسمي القدرة الفعلية على مواكبة الحزم الأميركي الجديد، أم أن واشنطن ترفع سقفاً يفوق قدرة النظام اللبناني على الوصول إليه؟

إذا كان الجواب هو الثاني، فإن انتهاء سياسة التجاهل قد لا يعني ولادة الحل، بل الانتقال من أزمة مزمنة إلى اختبار أكثر جدية.

بالتوفيق حرب

#نهاية #سياسة #العمى #الأميركية #من #الاحتواء #إلى #الحسم

نهاية سياسة العمى الأميركية: من الاحتواء إلى الحسم

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – نهاية سياسة العمى الأميركية: من الاحتواء إلى الحسم

المصدر : www.elsharkonline.com

.