دستور نيوز
منى فياض
الاثنين 11 مايو 2026 – 09:38
المصدر: صوت لبنان
لا يوجد وصف يمكن أن يخفف من وحشية ما تفعله إسرائيل في الجنوب: التدمير المنهجي، واقتلاع ومحو المدن والقرى، واستهداف البنية الكاملة لحياة الجنوبيين، بما يتجاوز أي ادعاء بالدفاع عن النفس. هذا هو منطق الاقتلاع والعقاب الجماعي. وهي جرائم حرب واضحة في آثارها على الناس وعلى الأرض.
لكن الأخطر هنا هو أن سلوكنا الداخلي، بكل ما فيه من انقسام وصخب واشتباكات كلامية، لا يفعل إلا أمرا واحدا: التغطية على هذه الجريمة وصرف الأنظار عنها. فعندما ننخرط في الإهانات المتبادلة والصراعات المفتعلة، فإننا نعطي المعتدي ما يحتاج إليه: مجتمع متشرذم غير قادر على توحيد صوته أو فرض روايته. وهكذا تتحول المأساة إلى خبر عابر، والألم الأليم يتحول إلى خلفية لضجيج داخلي لا يعيد بناء وطن أو حماية إنسان.
والنتيجة مشهد تتداخل فيه ثلاث أزمات في وقت واحد: حرب مفتوحة في الجنوب، وانهيار داخلي، وتفكك اجتماعي يغذيه خطاب الكراهية. هذا المشهد يبدو وكأنه جنون مطلق. فهل من المعقول أن البعض في الوقت الذي ينهار فيه الجنوب تحت القصف والدمار والتهجير ينشغل بالحروب الافتراضية والإهانات المتبادلة التي تستهدف الرموز الدينية!! وكأن المأساة لم تعد تكفينا، نبحث عن مأساة إضافية يمكن أن نصنعها بأيدينا.
عندما يُهان البطريرك بشارة الراعي، فالمسألة ليست مجرد شخص أو موقع ديني، بل تصبح مرآة لأمر أخطر: استبدال لغة التعايش بلغة ومنطق الغرائز. إذا تم انتهاك الكرامة، فإننا نفقد كل إمكانية للحماية.
لكن الخطأ لا يكمن فقط في حادثة من هنا أو إهانة من هناك. العيب في المسار الضار للانفجار. فماذا يخدم الانفجار الطائفي الآن؟
ما حدث مع بشرى بطرس الراعي ليس تفصيلاً. تاريخياً، كانت إساءة استخدام الرموز الدينية في لبنان:
إما مقدمة للفتنة، أو وسيلة لتخفيف التوتر، أو صرف الانتباه عن قضايا أخطر: مثل المفاوضات أو السلاح أو الضغط الدولي. وبعبارة أخرى: عندما تفشل السياسة، تصبح الغرائز مطلوبة.
إن تحويل الناس إلى خصوم جماعيين هو أسرع طريقة للانفجار. وهذا يقودنا إما إلى استنزاف مستمر، أو انفجار داخلي محدود، مثل اشتباكات متنقلة أو فتنة محلية، مما يؤدي إلى احتمال فتنة معممة لا تدوم أو تختفي.
ولبنان اليوم ليس فقط ضحية عدوان خارجي تقوم به إسرائيل، بل هو أيضا ضحية قرار داخلي مزمن بأن يكون ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. وهذا القرار لم يُفرض علينا بالكامل، بل تم التستر عليه والتعايش معه وتبريره، وتسويقه أحياناً على أنه قدر.
وهنا تكمن المشكلة.
حزب الله لا يتصرف كلاعب لبناني فحسب، بل كفصيل من الحرس الثوري وكجزء من محور تقوده إيران. وهذا يعني أن قراراته لا تحكمها حسابات داخلية فحسب، بل تحكمها أيضاً صراع إقليمي أوسع مع إسرائيل والولايات المتحدة. وبعد أن ربط لبنان بمحور تقوده إيران، جعل البلاد جزءاً من الصراع الإقليمي الكبير. يتم تسويقها كحماية أو ردع.
هدفها الحفاظ على شرعيتها داخل بيئتها، من خلال خطاب «المقاومة»، والتهديد بالتهديد الوجودي، ومنع ظهور دولة قوية تقيد سلاحها، وفرض نفسها كشريك إلزامي في أي تسوية.
وبين حامل السلاح ومن يعارضه تضيع الدولة. بين الذين يبررون والذين يلعنون، يضيع الحق.
لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات عالية النبرة. يحتاج إلى وضوح بسيط:
لا يمكن بناء الدولة بقرارين.
ولا يمكن حماية المجتمع بخطابين متناقضين.
ولا يمكن طلب التعاطف من العالم، فيما تقدم البلاد نفسها كساحة مفتوحة.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#إهانة #البطريرك #مقدمة #للفتنة #صوت #لبنان #صوت #لبنان
إهانة البطريرك مقدمة للفتنة – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – إهانة البطريرك مقدمة للفتنة – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
