.

أخبار منوعة – كرم نعمة يحذر من “الوعود الكاذبة”

الفن و الفنانينمنذ ساعتين
أخبار منوعة – كرم نعمة يحذر من “الوعود الكاذبة”


دستور نيوز

في كتابه الجديد “الوعد الكاذب.. لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحقه” الذي أصدرته دار الخريف للنشر بتونس مطلع العام الجاري (2026)، يقدم الكاتب والصحفي العراقي كرم نعمة عملا فكريا يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التكنولوجيا إلى استعارة كبرى للوعي الإنساني نفسه.

لا يشكك الكتاب في الذكاء الاصطناعي باعتباره ظاهرة تكنولوجية فحسب؛ بل يعيد صياغتها كقصة رمزية عن الإنسان الذي يواجه وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يواجه نعمة القارئ بمفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، بدأ يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. يستذكر في مقدمة الكتاب تجربة صحيفة الغارديان عام 2020، عندما عهدت إلى برنامج آلي بكتابة افتتاحية، ويعتبرها لحظة ولادة «الوعد الكاذب» الذي يعدنا باليسر والاكتمال. لكنه يحرمنا من المعنى. ويشكل هذا التوتر بين الإغراء والخطر محور الكتاب بأكمله، حيث تتحول التكنولوجيا إلى مرآة فلسفية تكشف هشاشة الإنسان في مواجهة وعوده.

في عنوان “لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحقه”، يستخدم نعمة حكاية السمكة الذهبية من الأساطير الألمانية لتقديم استعارة دقيقة لرغبة الإنسان في تجاوز حدوده. وكما في الأسطورة، عندما طلبت زوجة الصياد أن تصبح إلهاً وانهار العالم، يرى الكاتب أن الإنسان المعاصر يكرر نفس الخطأ عندما يطلب من الآلة أن تمنحه كل شيء.

هنا تتحول الأسطورة إلى أداة تحليل فلسفي: الرغبة التي يتم إشباعها فوراً تفقد معناها، والمقاومة التي كانت تمنح الحياة عمقها تختفي في عصر «الاستجابة الفورية».

الذكاء الاصطناعي، بهذا المفهوم، ليس مجرد برنامج؛ بل هي إعادة صياغة لسياق العالم، حيث يتم استبدال المتاهة بالخوارزمية، ويتم استبدال المغامرة بالنتيجة الجاهزة. يقول نعمة: «الآلة تقدم لنا النهاية دون البداية، والنتيجة دون صراع»، جملة تلخص الموقف الأخلاقي للكتاب بأكمله.

وفي عنوان «السيطرة على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب من الفلسفة إلى الواقع الثقافي، مستعرضًا كيف أصبحت النماذج اللغوية تتغذى على النصوص البشرية لإنتاج محتوى دون مؤلف.

ويستشهد بتجارب الروائيين والصحفيين الغربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن “الوفرة الرقمية” قد تتحول إلى شكل جديد من أشكال النهب الأدبي. ولا يكتفي مؤلف الكتاب بالتحذير؛ بل إنه يثير سؤالا أعمق: هل يمكن للإبداع أن يستمر في عالم تقتصر فيه الخبرة البشرية على بيانات التدريب؟ وهنا يظهر أسلوب نعمة الصحفي المحنك، فهو يوازن بين السرد الواقعي والتحليل الرمزي، بلغة تجمع بين الدقة والتأمل، والسخرية الهادئة، والهمم الفلسفي.

أما في “بديهية ديكارت بشأن الذكاء الاصطناعي”، فيعيد المؤلف طرح السؤال القديم: “هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟” من وجهة نظر إنسانية وليست تقنية. يستعرض آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والاصطناعي؛ لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التقدم، تظل غير قادرة على فهم المعنى لأنها لا تعرف الشك أو التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت إلى اليوم.

وبهذا المعنى يصبح الكتاب دفاعًا عن «الوعي» وليس «الذكاء»، وعن «الروح» وليس «الوظيفة». ويرى المؤلف أن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الآلة تفكر؛ بل يجب علينا أن نتوقف عن التفكير.

أسلوب نعمة في هذا العمل يذكرنا بكتابات أولئك الذين يحولون التكنولوجيا إلى سؤال وجودي. لكنها تحتفظ بنبرة عربية خاصة، حيث تمتزج الفكرة بالأسطورة، واللغة بالذاكرة. ويربط “ألف ليلة وليلة” والخوارزميات، بين شهريار ودردشة “GBT”، ليقول إن الأسطورة القديمة حافظت على المعنى من خلال المقاومة. بينما تقتل الخوارزمية الحديثة المعنى بالسرعة. وتعطي هذه المقارنة للكتاب بعدا أدبيا عميقا، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي إلى طابع رمزي في رواية الإنسان المعاصر، وليس مجرد موضوع علمي.

ومن الناحية النقدية يمكن القول إن «الوعد الكاذب» يقدم قراءة فكرية متماسكة في اللغة الشعرية. لكن الأمر لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر المدافعين عن التكنولوجيا. لكن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، وليس إلى موقف أخلاقي. وهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة ليفحص الإنسان نفسه، ويكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا في أن تكون الآلة مرآتنا المثالية.

وفي النهاية يقدم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التكنولوجيا على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان في مواجهة وعوده. إنه كتاب يُذكِّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعدًا بالخلاص، بل اختبارًا جديدًا للوعي، وأن الإنسان، مهما تقدم، لا يزال مطالبًا بالدفاع عن حقه في البقاء ناقصًا – لأن النقص، كما يقول نعمة ضمنيًا، هو الشرط الأول للمعنى.

#كرم #نعمة #يحذر #من #الوعود #الكاذبة

كرم نعمة يحذر من “الوعود الكاذبة”

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – كرم نعمة يحذر من “الوعود الكاذبة”

المصدر : www.hespress.com

.