دستور نيوز
وقال عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا عبد الرحيم العطري إن فهم قضية الهجرة والتنوع الثقافي يتطلب العودة إلى القصص التأسيسية للتشكيك في هذا التنوع نفسه، لأنه يعاني اليوم من المفارقات. الأول هو “مفارقة التسليع”، حيث يتم استخدام التنوع الثقافي أحيانا كسلعة ذات طبيعة سياسية، مع إبراز أنه “فضلا عن ذلك، يتم تقديم التنوع كنتيجة أو نتيجة، في حين أنه الأصل”.
واستدعى العطري، خلال مشاركته في ندوة حول “التنوع الثقافي في سياق الهجرة”، نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان على هامش الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، الأربعاء، الباحث الكندي جون بورتر، مؤلف كتاب “الفسيفساء العمودية”، ليصرح بأن الكثيرين يعتبرون كندا نموذجا مثاليا للتنوع، ومجتمع فسيفساء يحتفي بالتنوع.
وأشار عالم الاجتماع المغربي إلى أن بورتر يبين أن هذا التنوع ليس أفقيا، بل عموديا. القادمون من الشمال يحتلون المراكز العليا، بينما القادمون من الجنوب في الأسفل، مبيناً أن الوضع يتركنا «أمام فسيفساء، لكنها عمودية وليست أفقية»، وكان من المفترض أن تكون الهجرة مختبراً لاكتشاف تأثير هذا التنوع.
وقال المتحدث إن “المشكلة اليوم تكمن في المفاهيم، وسعي الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع هو تحريرها من الأبعاد الأيديولوجية والسياسية، والتعامل معها بحياد مطلق”، لكنه لفت إلى أنه “لكن الهجرة لا تزال تقدم كمشكلة، وكذلك التنوع الثقافي، بدلا من النظر إليهما كفرصة لاكتشاف أنفسنا في مرآة الآخرين”، وأضاف: “نحن نعيش في عالم قائم في جوهره على التنوع، ولكن السؤال هو: كيف نديره؟ هنا تكمن الحقيقة مشكلة.”
ولفت العطري إلى أن النماذج المعرفية (paradigms) في عالمنا تغيرت، وأن العالم الرقمي يدعو إلى إعادة النظر في المناهج السائدة، لافتا إلى أن برونو لاتور يشير إلى أن الفاعل الاجتماعي لم يعد الإنسان وحده، بل إن الأفكار والأشياء والحيوانات والبيانات الضخمة أصبحت أيضا فاعلا اجتماعيا، مختتما أن “التجارة في البصمة الكربونية في عصر الأنثروبوسين أصبح يقابلها الحديث عن البصمة الرقمية”.
ومضى أستاذ البحث بجامعة محمد الخامس بالرباط قائلا: “إن تحركاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي تنتج بيانات ضخمة، وتنتج معها أشكالا جديدة من التنوع”، وبالتالي “لا ينبغي اعتبار الهجرة مشكلة، بل إمكانية تفاوض مع الواقع. فالمهاجر يعيد كتابة التاريخ، ويدعم ترسيخ التنوع ويحفزه. ولذلك، أكدت مدرسة شيكاغو على أن الهجرة مختبر اجتماعي وأداة تحليل لفهم ديناميكيات المجتمع”.
وبالتالي فإن التنوع الثقافي، بحسب رؤية عالم الاجتماع البارز، هو “مرشح يمكننا من خلاله قياس قدرة المجتمعات على تقبل الاختلاف، وهذا التنوع لا يقتصر على الفنون والموسيقى، بل يشمل كل الديناميكيات المجتمعية”. وتساءل: “ماذا لو قامت مجموعة من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، المقيمين بمدينة تامسنا قرب الرباط، بمسيرة للمطالبة ببناء كنيسة؟ هل نحن مستعدون لصياغة سياسات عمومية وإقليمية تستوعب هذا التنوع بالكامل، أم سنستمر في تقليصه إلى أبعاده اللغوية أو الفنية أو الثقافية المرتبطة بنمط الحياة وهي في الواقع تمس كل النشاط الاجتماعي؟
من جهته، قال المهاجر السوداني المقيم بالمغرب طلحة جبريل، إن “الهجرة ليست عبور حدود أو تغيير عنوان، بل هي عبور نحو الذات والآخر، نحو عالم أوسع من جغرافية الميلاد”، مضيفا أن “الإنسان عندما يغادر أرضه يحمل معه ذكرى الطفولة واللغة الأم والأحلام التي لم تكتمل؛ ولكن عندما يصل إلى أرض جديدة يكتشف أن الهجرة رحلة بحث عن المعنى، وأن الثقافة التنوع هو الثمرة التي تنمو في هذه الرحلة.”
وأضاف غابرييل، صحفي وكاتب، أنه “جاء إلى المغرب شابا ووجد هنا وطنا آخر، وطن يفتح أبواب التنوع ويجعل الغريب قريبا والمهاجر شريكا في بناء الحاضر”، لافتا إلى أن “هذه التجربة تحولت إلى مسار مهني غير مسبوق، حيث توليت رئاسة تحرير خمس صحف مغربية، وهو أمر لا مثيل له في العالم العربي وإفريقيا وأوروبا”. وتابع: “الأمر عبارة عن أخذ وعطاء، المغرب أعطاني فرصة، وأنا ساهمت بدوري في المشهد”. إعلامية وثقافية.”
وأوضح المتحدث أن “الهجرة ليست أرقاماً أو سياسات، بل قصص إنسانية تخلق جسوراً بين الثقافات”، مضيفاً أن “التنوع الثقافي الناتج عنها يثري المجتمعات ويمنحها القدرة على التكيف والإبداع”، وأضاف: “للإعلام دور أساسي في مواكبة هذه الظاهرة: نقل قصص المهاجرين، وتسليط الضوء على مساهماتهم، ومواجهة الصور النمطية، إلا أن وسائل الإعلام التقليدية لم تلعب هذا الدور بالشكل المطلوب”.
وأوضح الصحفي المحترف، الذي يقوم أيضًا بتدريس الصحافة، أن “المشاركة الإعلامية ظلت مركزة على الحدث، في حين سمحت وسائل الإعلام الرقمية والشبكات الاجتماعية للمهاجرين بأن يكونوا رواة لقصصهم الخاصة”. وأضاف: “لكن هذا التحول يحمل تحديات، بما في ذلك الأخبار الكاذبة والصور السطحية واستغلال قضايا الهجرة لأغراض سياسية”.
أما المتحدث، فقال إن “الصحفي الملتزم هو الذي يوازن بين الدقة والإنسانية، بين نقل الحقائق وإبراز البعد الثقافي”، مشيرًا إلى أن “المغرب بلد الاستقبال والتنوع، حيث تتعايش ثقافات متعددة: العربية والأمازيغية والإفريقية والمتوسطية”، وأضاف: “تجربتي الشخصية تشير إلى أن الهجرة يمكن أن تتحول إلى اندماج إيجابي ومساهمة فعالة في المجتمع. وهذا النموذج يثبت أن التنوع لا يشكل تهديدا، بل فرصة لبناء مجتمع أكثر ثراء”.
أما الناشط الجمعوي والحقوقي روبين يموه أودوي، فقال إن الثقافة تبدأ بـ”الصوتيات” أو ما أسماه “صوتية” اللغات، موضحا أن المقصود ليس الموسيقى بقدر تنوع اللغات وأصواتها، مضيفا أن عمله الميداني بجنوب المغرب يجعله على اتصال يومي بمجموعات مختلفة، بما في ذلك المهاجرين والناطقين بالحسنية والأمازيغية، بالإضافة إلى العربية، مما يفرض عليه البحث عن سبل للتفاهم خارج القوالب التقليدية.
وأضاف أودوي في مداخلته أن دوره كمدير فني لجمعية يدفعه إلى السفر عبر مختلف مناطق المغرب، حيث يلتقي بأشخاص قد لا تكون لديه لغة مشتركة معهم، “لكن الفن يبقى وسيلة تواصل فعالة”، مشيرا إلى أن هذه التجارب المتعددة، خاصة في مناطق مثل تزنيت، تبرز كيف يمكن أن تتحول الاختلافات اللغوية إلى مصدر للإلهام بدلا من أن تكون عائقا.
وأوضح المتحدث أن التنوع داخل المغرب في حد ذاته يمثل ثراء كبيرا، مشيرا إلى أنه أصبح قادرا على تمييز الانتماء الجغرافي للأشخاص من خلال لهجاتهم وحدها، حتى لو لم يفهم محتوى كلامهم، مضيفا أن حاسة السمع هذه ناتجة عن عمله المستمر على الاستماع إلى الأصوات واللغات المختلفة، مما يمكنه من فهم الهوية الثقافية المحلية بشكل أعمق في مناطق مثل سوس ماسة والعيون وطنجة.
وشدد نفس الناشط الحقوقي على أن الانفتاح على الثقافات المختلفة يتطلب عدم التشبث بلغة واحدة أو فرضها على الآخرين، مستذكرا تجربة شخصية عاشها في أوروبا، عندما حاول مخاطبة ذوي الأصول المغاربية باللهجة، ليكتشف أنهم يفضلون التواصل بالأمازيغية. وقال إن هذه المواقف تعكس ضرورة التخلي عن الصور النمطية المتعلقة باللغة والهوية.
وفي سياق متصل، أكد الناشط الجمعوي ذاته، أن التبادل الثقافي لا يقتصر على الممارسات الفنية، بل يشمل التواصل مع “المجهول” الذي وصفه بمصدر الثروة الحقيقية. واختتم حديثه بالتأكيد على أن مسيرته منذ مغادرته غانا في سن التاسعة عشرة مكنته من اكتساب لغات متعددة والانفتاح على تجارب إنسانية متنوعة، معتبرا أن الواقع الميداني يظل أكثر تعقيدا وغنى من التصورات الجاهزة داخل المؤسسات.
#يتساءل #مجلس #حقوق #الإنسان #عن #عواقب #التنوع #الثقافي #في #سياقات #الهجرة
يتساءل مجلس حقوق الإنسان عن عواقب التنوع الثقافي في سياقات الهجرة
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – يتساءل مجلس حقوق الإنسان عن عواقب التنوع الثقافي في سياقات الهجرة
المصدر : www.hespress.com
