.

اراء و اقلام الدستور – إسرائيل تغرق الشرعية الدولية في أعالي البحار؟

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – إسرائيل تغرق الشرعية الدولية في أعالي البحار؟


دستور نيوز

بقلم د. سمير صالحة

“أساس ميديا”

وقد تكرر المشهد نفسه منذ ما يقرب من عقدين من الزمن دون تغيير كبير: السفن المدنية التي تنطلق لكسر الحصار المفروض على غزة، ولكن يتم اعتراضها ومهاجمتها من قبل القوات الإسرائيلية في البحر. يتصاعد الجدل السياسي والقانوني والإعلامي، قبل أن تعود الأمور إلى نقطة البداية.

في كل مرة، يفرض الواقع الميداني الإسرائيلي نفسه على المواقف والنصوص، بينما ينكمش القانون الدولي في وجه العربدة الصارخة والغطرسة المنفلتة. ولم تعد أحداث أعالي البحار تقتصر على المبادرات الإنسانية لكسر الحصار، ولا على الهجمات الإسرائيلية الهادفة إلى إفشال هذه المحاولات.

نحن أمام مواجهة معقدة تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والأمنية والقانونية، وهي في جوهرها تتجاوز إعادة طرح السؤال التقليدي: من صاحب تعريف “الشرعية” في هذا الصراع، قوة القانون أم قانون القوة؟

صورة مركبة لأزمة أوسع نطاقا

وبهذا المعنى، لم يعد الأمر يتعلق بالسفن التي تحاول كسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، بل تحول إلى اختبار مفتوح لمدى فعالية النظام الدولي وقدرته على تحويل مبادئه إلى قواعد فعالة، وليس إلى نصوص يستسلم فيها الحبر والورق للقوة الاستباقية.

وفي هذا السياق، يتجاوز الحديث حدود حرية الملاحة أو مشروعية التصرفات الإسرائيلية، ويمتد إلى مدى جدوى هذه التحركات نفسها، ومدى قدرتها على التأثير الفعلي على بنية الرد الدولي على أزمة مزمنة لم تتغير قواعدها رغم تكرار فصولها.

فهل ما زالت الأدوات المعتمدة قادرة على كسر معادلة الحصار، أم أنها تحولت إلى نمط متكرر يعيد إنتاج نفسه دون نتائج تذكر؟ ولماذا لم تتبلور حتى الآن أساليب بديلة أكثر فعالية، على الرغم من هذا التكرار على مدى سنوات عديدة؟ ما هي حدود العائق هنا: طبيعة الأدوات المستخدمة أم البيئة السياسية والقانونية التي تعمل ضمنها؟ ومتى ينتقل هذا النقاش من وصف الحدث إلى النظر الجدي في الخيارات القادرة على تغيير قواعد التعامل مع الملف، بدلاً من الاكتفاء بإدارته؟

ولم يعد الأمر يقتصر على الحصار وحده، بل يعكس صورة معقدة لأزمة أوسع تتشابك فيها منظومة العجز والتوازنات والمصالح. وهنا لم يعد السؤال مطروحا: ماذا يحدث في البحر؟ بل لماذا لا تزال النتائج على حالها حتى الآن رغم هذا التكرار المستمر؟

وما يميز حركة الأساطيل الكاسرة للحصار أنها لم تعد تعتمد على فرضية الوصول الجغرافي فقط، بل على فرضية التأثير السياسي والإعلامي أيضًا. إنها تتحرك ضمن فضاء رمزي بقدر ما تتحرك ضمن فضاء بحري، حيث يصبح كل اعتراض جزءا من الرسالة، وكل مواجهة في البحر هي امتداد لصراع الروايات على المستوى الدولي.

وتتحول هذه المبادرات إلى أدوات ضغط مدني تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي العام بطبيعة الحصار وضرورة التعامل معه دوليا. وحتى عندما لا تصل هذه السفن إلى وجهتها، فإنها تنجح في نقل المواجهة إلى ساحة الرأي العام، ما يمنحها قيمة سياسية تتجاوز نتائجها الميدانية المباشرة.

وهنا تفرض بعض الاعتبارات نفسها:

  • ولا يمكن للقانون الدولي أن يظل مرجعا ملزما في بيئة تفتقر قواعده إلى أدوات التنفيذ الفعالة.
  • والمشكلة لا تكمن في النصوص القانونية ذاتها، بل في غياب نظام دولي قادر على فرض احترامها على جميع الأطراف دون استثناء.
  • يوفر القانون الدولي إطارا واضحا لمبدأ حرية الملاحة في المياه الدولية، لكن عمليا يتم إعادة تفسير هذا الإطار وفقا لاعتبارات أمنية تحددها كل دولة وفقا لرؤيتها، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية لاعتراض السفن المدنية بذرائع أمنية.
  • ومع اتساع هامش تفسير «الضرورة الأمنية»، يتراجع مبدأ حرية الملاحة من كونه قاعدة ملزمة إلى فضاء مفتوح للتفسير السياسي، حيث يتم اختبار القواعد القانونية عند التطبيق، وتعاد صياغة حدود الشرعية في ضوء اختلال موازين القوى.
  • وهذا الأسلوب في التعامل يعكس توازناً دقيقاً بين الاعتبارات الإنسانية والمصالح السياسية، لكنه في الوقت نفسه يبقي الأزمة في حدود إدارتها وليس حلها.
  • وبهذا المعنى تتحول السياسة الدولية إلى آلية لإدارة صراع مزمن بدلاً من السعي إلى إنهائه، فتصبح الأولوية لاحتواء التداعيات بدلاً من معالجة الجذور، ومنع الانفجار بدلاً من تفكيك أسبابه.
  • وهنا تتبلور معادلة دقيقة: الحفاظ على استقرار يمكن التحكم فيه له الأسبقية على الضغط من أجل التوصل إلى حل نهائي، لأن هذا قد يفرض تكلفة سياسية باهظة على الأطراف الفاعلة.
  • ويتحول تاريخ هذه المبادرات إلى سلسلة متكررة من الأحداث ذات النهايات المتشابهة. ويرجع ذلك إلى طبيعة ميزان القوى الذي يحكم البحر، وغياب استراتيجية دولية قادرة على تحويل هذه المحاولات إلى مسار ضغط فعال، إضافة إلى محدودية تأثيرها في تغيير بنية الحصار.

أزمة تعريف الشرعية

ولم تشهد القضية توقفاً للمحاولات، لكنها لم تشهد تغييراً في النتائج، وهو ما يعكس تكراراً متواصلاً لنفس السيناريو في إطار «الحلقة المغلقة» من الفعل ورد الفعل.

ويظهر هذا الفضاء أن المشكلة الحقيقية لم تعد في وصف الأزمة أو تحديد أطرافها، بل في غياب القدرة على إنتاج بدائل قابلة للتنفيذ، في ظل مقاربة تكتفي بإدارة الوضع الحالي من خلال ردود سياسية وقانونية محدودة، دون الانتقال إلى حلول التنفيذ الفعلي.

ولا يبدو النظام الدولي عاجزا عن إنتاج خيارات جديدة بقدر ما يبدو مترددا في تبنيها، وهو ما يجعل المجتمع الدولي طرفا في إبقاء الملف مفتوحا دون تحمل تكلفة إغلاقه، مما يعمق الفجوة بين الشرعية المعلنة والقدرة على التأثير.

بين استمرار الحراك المدني وغياب القرار السياسي الفاعل، يبقى الملف مفتوحا على احتمالات متعددة دون مسار واضح للحل، وفي سياق لم تعد تتم إدارته كقضية إنسانية أو قانونية فحسب، بل كمنظومة مصالح وقواعد غير مكتملة التنفيذ.

وفي نهاية هذا المسار لا يظهر السؤال الحقيقي: لماذا تستمر محاولات كسر الحصار؟ بل لماذا لم ينتج العالم حتى الآن صيغة قادرة على إنهاء الحاجة إلى هذه المحاولات أصلا؟

فالمشكلة لا تكمن في ضعف التعاطف الدولي، بل في طبيعة الأدوات المستخدمة نفسها. هناك ثلاثة اختلالات أساسية:

  • – غياب آلية دولية ملزمة لتحويل القانون إلى تنفيذ فعلي.
  • تشتت الفاعلين بين الرمزية الأخلاقية والعمل السياسي المباشر.
  • – الاستمرار في التعامل مع الحصار كقضية إنسانية، وليس كقضية بنية سياسية يمكن فرضها أو تغييرها. ومن هنا تتبلور ثلاثة اتجاهات في الجدل الدولي:
  • تحويل القانون الدولي من إطار وصفي إلى أداة للتنفيذ والمساءلة.
  • الانتقال من المبادرات الفردية المتكررة إلى آلية إنسانية دولية دائمة ومنظمة.
  • إعادة توجيه الضغوط السياسية نحو مراكز صنع القرار القادرة على تغيير تكلفة استمرار الوضع الراهن.

ولم يعد جوهر النقاش اليوم يتعلق بجدوى العمل، بل بضرورة إعادة هندسة أدواته: من مبادرات متفرقة إلى نظام ضغط سياسي وقانوني قادر على تغيير استمرار الحصار نفسه، وتحويله من خيار يمكن التحكم فيه إلى عبء لا يمكن تحمله.

الأزمة ليست أزمة أساطيل، بل هي أزمة تعريف الشرعية في نظام دولي مضطرب، تصطدم فيه القوة بالقانون، دون وجود آلية أممية أو دولية قادرة على فرض الحل النهائي.

د. سمير صالحة

#إسرائيل #تغرق #الشرعية #الدولية #في #أعالي #البحار

إسرائيل تغرق الشرعية الدولية في أعالي البحار؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – إسرائيل تغرق الشرعية الدولية في أعالي البحار؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.