دستور نيوز
في زاوية باحة مدرسة حكومية في صنعاء، تقف امرأة بملابس سوداء. اعتادت أن ترى ابنها في طابور الصباح.
واليوم تعود إلى نفس المكان، ليس كأم، ولكن كعاملة نظافة تحاول الحفاظ على بقية حياتها واقفة على قدميها. تمسح الأرض في صمت ثقيل، وكأنها تهمس على حصى الفناء: لي هنا ابن ذهب طفلاً وعاد جثةً.
ترى الأم وجه ابنها في الطوابير، وتسمع أغاني وأناشيد غير مألوفة. تدرك بصمت أن العديد من هؤلاء الأشخاص قد يسلكون نفس الطريق، لكنها لا تقول شيئًا.
قبل عامين، فقدت أم عامر ابنها الوحيد، الذي كان في السابعة عشرة من عمره.
فعاد إليها جثة هامدة، ورفعت صورته على صندوق. فقالوا لها: الزغردي، لقد استشهد.
وفي حديثها إلينا، تتذكر المرأة كيف بدأ ابنها يتغير تدريجياً منذ انضمامه إلى ذلك المخيم الصيفي. أصبح أكثر صمتاً، وأحياناً أكثر حدة، يصرخ ويردد عبارات لم تكن تعرفها عن «الجهاد» و«النصر» وكأنها طريقه الوحيد. لم تفهم ما كان يحدث، لكنها رأت نظرة في عينيه أبعدته عنها.
اليوم، كل ما تفعله هو مسح دموعها سراً، وتواصل التنظيف في وظيفة حصلت عليها كـ«أم شهيد»، لتعيل بناتها الثلاث، بعد أن فقدت ابنها المعيل.
من نشاط صيفي إلى جهاز تعبئة
ولم تكن المراكز الصيفية التابعة لجماعة الحوثي وليدة مع سيطرتها على صنعاء عام 2014، بل تمثل امتدادا لمسار تاريخي مرتبط بنشأة الجماعة نفسها. وتعود بدايات هذه المراكز إلى مطلع التسعينات، وتحديدا عام 1991، عندما بدأت الجماعة، في إطار ما عرف بـ”الشباب المؤمن”، تنظيم أنشطة شبابية ودورات موسمية في محافظة صعدة، بهدف تمرير خطابها الفكري عبر الحلقات التعليمية والمخيمات الصيفية. ومثلت هذه الأنشطة إحدى أبرز الأدوات المبكرة لبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية، من خلال خلق بيئة تفاعلية تجمع بين التعليم والتكوين الفكري.
ومع اندلاع حروب صعدة بدءاً من عام 2004، شهدت هذه الأنشطة تحولاً نوعياً. ولم تعد تقتصر على الجانب الديني أو التربوي، بل تحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي التي رافقت الحرب، مما ساهم في توسيع دائرة النفوذ واستقطاب شرائح أوسع من الشباب.
وبحلول عام 2008، بدأت الجماعة بنقل هذا النشاط إلى خارج صعدة عبر وسائل غير تقليدية، منها توزيع المواد الرقمية على وسائط التخزين الصغيرة (SD وUSB)، والتي كانت تحتوي على محاضرات ودروس تتعلق بالمراكز الصيفية، بالإضافة إلى ما يعرف بـ”الملازم” – المحاضرات التي كان يلقيها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي – والتي تم نسخها وطباعتها في كتيبات.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال أحد المشرفين على المراكز الصيفية في صنعاء، فضل عدم الكشف عن اسمه، إنه حصل عام 2008 على «ذكريات صغيرة» تم توزيعها على طلاب محددين في المدارس. وبعد الاطلاع على محتواها وجد تسجيلات ومحاضرات لحسين بدر الدين الحوثي، تشير إلى أن هذه المواد شكلت نقطة تحول في تبنيه لأفكار الجماعة ومناصرتها.
وأوضح أنه كان يحضر اجتماعات مغلقة للاستماع إلى هذه المحاضرات، في مكاتب خاصة تضم المهتمين والمقربين من الجماعة في صنعاء والمناطق المحيطة بها مثل بني حشيش وخولان وسنحان وغيرها.
ومع تطورات عام 2011، وتحديداً أحداث فبراير/شباط، التي أحدثت احتجاجات واعتصامات في الساحات ولحظة انفتاح سياسي، انتقلت هذه الأنشطة إلى عدد من المحافظات، وظهرت مراكز ودورات أكثر تنظيماً خارج المعقل الرئيسي للتنظيم، مع بروز ملامح أوضح للرقابة الإدارية تحت الشعار الجذاب “تغيير النظام”. وتجاوزت الدوائر الضيقة إلى امتلاء المكتبات والأكشاك بالملازمين، بل وأنشأت أكشاكاً في أكثر من مكان لتوزيع الملازمين والملصقات والشعارات مجاناً، ونصبت مكبرات صوت لبث وإذاعة “الزوامل” بشكل مستمر.
وجاء التحول الأبرز بعد السيطرة على صنعاء عام 2014، حيث تحولت المراكز الصيفية من أنشطة محدودة إلى برنامج واسع يُدار رسميًا من خلال مؤسسات الدولة، ضمن هيكل تنظيمي يضم لجانًا مركزية وفنية وإشرافية، مع إشراك عدد من الوزارات في إدارة برامجه.
وأكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة اعتمدت في المراحل الأولى على ما أسمته «الدورات الثقافية» و«الحوزات العلمية» لاستقطاب الشباب وكسب تعاطفهم ودمجهم في مشروعها، قبل أن تظهر المراكز الصيفية بشكلها الحالي. ويضيف المصدر أن هذه المراكز “لم تعد محدودة، بل تحولت إلى برنامج مؤسسي يُدار ضمن هيكلية تنظيمية متكاملة”، مشيراً إلى أنها تُستخدم كإحدى أدوات التأثير في اتجاهات الشباب، ما يؤدي إلى دفع بعضهم نحو جبهات القتال.
أنواع المعسكرات الصيفية
وبحسب المعلومات والشهادات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن التنظيم يقسم هذه المراكز أو المخيمات الصيفية إلى ثلاثة أنواع: مغلقة، ونموذجية، ومفتوحة. الأولى دورات عسكرية أيديولوجية، والثانية مراكز لإعداد القادة الشباب، والثالثة مراكز ترويجية.
وتقام المعسكرات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتركز بشكل أساسي على تأهيل المشاركين ليصبحوا مقاتلين في صفوف التنظيم، وإعدادهم عسكرياً وفكرياً لهذا الغرض، ويعتبرون قوات احتياطية. وفور دخولهم الدورات، تتم مصادرة هواتفهم، وقطع أخبارهم عن عائلاتهم، ويتم نقلهم ليلاً إلى معسكرات تدريب تتغير بين فترة وأخرى.
وجميع هؤلاء من طلاب المدارس الثانوية الذين أكملوا دورات تدريبية على تفكيك الأسلحة في المدارس، وخصص لهم مدربوهم دورات عسكرية مكافأة للتفوق والتميز، بالإضافة إلى بعض أعضاء الفرق الكشفية في المدارس الثانوية الذين تحولت نشاطاتهم الجماعة من الكشفية إلى العسكرية.
ويتم في هذه المعسكرات تدريب المشاركين على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة وقذائف الآر بي جي ومدافع الهاون والقنابل وعمليات التمويه والإخفاء.
أما المعسكرات النموذجية، والتي تكون في معظمها لمن تزيد أعمارهم عن عشر سنوات، فهي تعتبر “معسكرات محددة”، وينجذب إليها المتفوقون والمتفوقون في مختلف الأنشطة المدرسية. وهي مخيمات مغلقة يقيم فيها الطالب طوال أيام الأسبوع في المخيم، ويسمح له بالتواصل مع أهله ولا يصادر هاتفه، وأحيانا يعود إلى منزله كل أسبوع أو أسبوعين.
وتقام هذه المعسكرات عادة في عواصم المحافظات، حيث يتلقى الطلاب محاضرات أيديولوجية مركزة من كبار قادة الجماعة، ويشاهدون أفلاما عن “الجهاد”، والسير الذاتية لقيادات الجماعة وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، ويتلقون تدريبا محدودا على تفكيك واستخدام أنواع معينة من الأسلحة.
وتبقى المعسكرات مفتوحة أمام من تتراوح أعمارهم بين 5 و10 سنوات، وتبدأ في الصباح وتنتهي عند الظهر، وتظهر للجمهور كمراكز لتحفيظ القرآن الكريم والأنشطة الصيفية. ولذلك تقوم الجماعة بنشرها في مختلف المدارس والمساجد لتكون في متناول الجميع، ولكن فيها يتعلم الأطفال “قسم الدولة” وترديد “الصرخة” وطاعة قائد الجماعة.
ولا يتم استبعاد الفتيات من هذه الأنشطة. بل هناك مراكز مخصصة للنساء، تديرها “الهيئة العامة لثقافة المرأة”، وتعمل على تصميم وتنفيذ البرامج، واستقطاب الطالبات عبر الشبكات الميدانية، والإشراف على الكوادر النسائية وتدريبها، وإعداد مواد إرشادية موحدة.
يتم تقديم هذه المراكز على أنها مساحات تعليمية وترفيهية، ولكنها تتضمن أيضًا برامج دينية مكثفة، ومحاضرات ذات طابع حشدي، وأنشطة جماعية تعزز الانضباط والانتماء.
المصدر: الشرق الأوسط
مواصلة القراءة
#مراكز #صيفية #للحوثيين #معبر #مدرسي #إلزامي #إلى #جبهات #القتال
مراكز صيفية للحوثيين: معبر مدرسي “إلزامي” إلى جبهات القتال
– الدستور نيوز
اخبار العرب – مراكز صيفية للحوثيين: معبر مدرسي “إلزامي” إلى جبهات القتال
المصدر : www.i3lam-al3arab.com
