.

اراء و اقلام الدستور – شهداء الصحافة: عندما تصبح الكلمة وطناً والدم ذكرى

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – شهداء الصحافة: عندما تصبح الكلمة وطناً والدم ذكرى


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب
في السادس من أيار من كل عام، لا يستذكر لبنان مجرد ذكرى تاريخية عابرة، بل يقف أمام إحدى أعمق محطات وعيه الوطني والسياسي والثقافي: ذكرى شهداء الصحافة، الذين لم تكن أقلامهم أدوات للكتابة فحسب، بل مواقف ومقاومة وشهادات علنية في وجه الاستبداد والقمع ومحاولات مصادرة الحقيقة. إنهم الشهداء الذين أدركوا قبل غيرهم أن حرية الوطن تبدأ من حرية التعبير، وأن موت الصحافة الحرة هو أخطر مقدمة لموت الدولة والمجتمع والإنسان.
مثّل السادس من أيار 1916 لحظة مفصلية في تاريخ لبنان والمنطقة، يوم رفع مشنقة الشرف لاستهداف نخبة من المثقفين والصحفيين والأحرار الذين واجهوا كل احتلال أو تكليف بالفكر والرأي والموقف. هؤلاء الناس لم يحملوا السلاح بالمعنى التقليدي، لكنهم حملوا ما له أعظم الأثر على الاستبداد: حرية التعبير. ولذلك فإن إعدامهم لم يكن محاولة لإسكات الأفراد، بل كان محاولة لتنفيذ فكرة الحرية نفسها. لكن التاريخ أثبت، مرة بعد مرة، أن الكلمة المكتوبة بالدم لا تموت، بل تتحول إلى ذاكرة وطنية وأخلاقية لا تستطيع أي سلطة محوها.
شهداء الصحافة في لبنان لم يكونوا مجرد ضحايا مرحلة سياسية، بل كانوا مؤسسي معنى لبنان كفضاء للحرية في هذا الشرق. ومن خلال تضحياتهم، توطدت صورة بيروت عاصمة لحرية التعبير، ومنبراً لتنوع الآراء، وملاذاً للصحافة العربية التي وجدت في لبنان هامشاً واسعاً للتعبير والاختلاف. ولعل هذه الخصوصية اللبنانية لم تكن تفصيلاً عابراً في تكوين الأمة، بل كانت إحدى ركائز هويتها التاريخية والثقافية. لبنان، من دون صحافة حرة، يفقد جانباً أساسياً من رسالته ودوره ومكانته.
لكن إحياء ذكرى شهداء الصحافة لا يكتمل إذا ظل محصورا في البعد الاحتفالي أو الخطابي. الذاكرة بمعناها العميق ليست فقط مناسبة للبكاء على الماضي، بل هي دعوة للتشكيك في الحاضر. ذلك أن الصحافة اللبنانية تواجه اليوم تحديات لا تقل خطورة، وإن اختلفت أدواتها وأشكالها. وإذا كان شهداء الأمس واجهوا المشانق والسجون والقمع المباشر، فإن صحافيي اليوم يواجهون أزمات معقدة: انهيار اقتصادي خانق، وتراجع الموارد، وإغلاق مؤسسات إعلامية عريقة، وتهديدات أمنية وسياسية، ومحاولات ترهيب وإغراء، وضغوط متزايدة تهدف إلى إخضاع الكلمة أو تحويلها إلى سلعة في سوق المصالح.
ومن هنا فإن الدفاع عن الصحافة لا يقتصر على الشعارات وحدها، بل من خلال بناء بيئة قانونية ومؤسسية تضمن استقلالها وتحمي العاملين فيها. هناك حاجة ملحة لقانون إعلام حديث يواكب التحولات الرقمية، وينظم الإعلام الإلكتروني، ويحمي حرية التعبير من الاستغلال، دون أن يتحول التنظيم إلى أداة رقابة أو قمع. إن الصحافة المسؤولة لا تخشى القانون العادل، لكنها تخشى القوانين الغامضة التي تستخدم لإسكات الناس وتصفية حسابات سياسية وشخصية.
وفي هذا السياق، يجب أن نتذكر أن حرية الصحافة ليست امتيازا يمنح للصحفيين، بل هي حق للمجتمع ككل. فلا يمكن محاسبة المواطن دون معلومات، ولا يمكن تكوين رأي حر دون صحافة حرة. ولذلك فإن الاعتداء على الصحفي ليس فقط اعتداء على فرد، بل اعتداء على حق الناس في المعرفة، وعلى مبدأ الشفافية، وجوهر الحياة الديمقراطية. فالصحافة، عندما تكون مهنية ومستقلة، هي عين المجتمع على السلطة، وصوته في وجه الفساد، وذاكرته في وجه الغش والنسيان.
قدمت الصحافة اللبنانية، عبر تاريخها الطويل، مواكب الشهداء في مراحل مختلفة: من شهداء 6 أيار، إلى من سقطوا في الحروب والأحداث اللبنانية، وصولاً إلى كل صحافي أو إعلامي دفع ثمن التزامه بالحقيقة، سواء بقلمه أو عدسته أو صوته. كل ذلك امتداد لرسالة واحدة: أن الحقيقة تبقى أكبر من الخوف، وأن لبنان يبقى بلداً لا يحكمه الصمت، ولا يديره القسر، ولا يختزل في رواية واحدة.
وفي ذكرى شهداء الصحافة، لا نترحم على من رحلوا فحسب، بل نجدد العهد معهم أيضًا. التعهد بأن حرية التعبير ستبقى محمية، وأن التاريخ سيبقى مقاوماً للتزييف، وأن الصحافة ستبقى مساحة للنقد والمحاسبة، وليست ساحة للتشهير والابتزاز. كما نجدد التحية لجميع الصحفيين والإعلاميين الذين يواصلون أداء مهمتهم وسط ظروف قاسية، مؤمنين أن هذا الوطن، رغم جراحه، لا يزال يستحق الحقيقة، وما زال يستحق الحياة.
وفي أوقات الأزمات الكبرى، تزداد الحاجة إلى الصحافة المسؤولة، التي لا تبيع قلمها، ولا تنال من كرامة الناس، ولا تتحول إلى أداة في يد السلطة أو المال أو التعصب. الصحافة التي نريدها هي صحافة تكشف ولا تفتر، وتنتقد ولا تهدم، وتتساءل ولا تخضع، وتراقب ولا تستسلم. إنها صحافة تعلم أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن الجرأة لا تكتمل إلا بالمهنية، وأن الدفاع عن الوطن يبدأ أحياناً بالخطاب الصادق، والتحقيق الصادق، والسؤال الشجاع.
ولذلك فإن إحياء ذكرى شهداء الصحافة هو أكثر من مجرد تاريخ في التقويم الوطني؛ وهو اختبار دائم لضمير الدولة والمجتمع ووسائل الإعلام معا. الأمم التي تنسى شهداءها تفقد بوصلتها، والأمم التي تهمل حرية التعبير تهمل مستقبلها. أما لبنان الذي أغرقت أرضه بدماء الشهداء، فلا يحميه إلا دولة عادلة ومؤسسات قوية وقضاء مستقل وصحافة حرة قادرة على قول الحقيقة مهما كان الثمن.
الرحمة لشهداء الصحافة اللبنانية، وتحية لنقيب الصحفيين الاستاذ عوني الكعكي، البيروتي الشجاع الأصيل، وتحية لكل قلم حر، ولكل صوت حق، ولكل عدسة اختارت أن ترى الحق ولا تغض الطرف عنه. في البدء كانت الكلمة، وبالكلمة الحرة يبقى لبنان.
المحامي أسامة العرب

#شهداء #الصحافة #عندما #تصبح #الكلمة #وطنا #والدم #ذكرى

شهداء الصحافة: عندما تصبح الكلمة وطناً والدم ذكرى

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – شهداء الصحافة: عندما تصبح الكلمة وطناً والدم ذكرى

المصدر : www.elsharkonline.com

.