دستور نيوز
بقلم ديفيد عيسى
وفي الوقت الذي تعيد فيه القوى الكبرى رسم خرائط النفوذ والتوازنات في منطقتنا، لا تزال القوى السياسية في لبنان غارقة في سجالات عقيمة، خارج سياق التاريخ، وكأن البلد يعيش عزة وأمان، وليس على حافة الانهيار المالي والاقتصادي، وفي قلب حرب. نحن نعرف متى بدأ، لكننا لا نعرف متى سينتهي.
الجدل والخلافات مستمرة ولا هوادة فيها في ظل ما يجري حولنا، والذي تتنافس فيه أغلبية القوى السياسية على تسجيل نقاط على بعضها البعض، في حين أن الواقع أصبح أكثر خطورة وتعقيدا.
ولم تعد المشكلة مجرد خلاف سياسي عادي، بل تحولت إلى حالة إنكار جماعي لمدى ما يحدث.
والأخطر للأسف أنه عندما تجلس أطراف الحرب في المنطقة على طاولة المفاوضات، سيكون لبنان خارج هذا المشهد، بلا موقع على الطاولة، ولا قدرة على التأثير، ولا حتى «مزار عنزة».
وهذا الواقع لا يمكن تغييره بالخطابات أو الصراخ من فوق الأسطح. بل يتطلب طريقا واضحا يبدأ من الداخل.
الخطوة الأولى هي إعادة الاحترام لفكرة الدولة، وأن يتولى الجيش اللبناني وحده مهمة حماية البلاد.
ولا يمكن لأي دولة أن تستعيد حضورها وقراراتها منقسمة، وأسلحتها متعددة، ورؤيتها متناقضة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى طاولة حوار داخلية، قبل أي طاولة إقليمية أو دولية قد تنعقد في أي لحظة، برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
حوار يبدأ بمسألة سلاح حزب الله، ولا ينتهي عند هذا الحد، بل يشمل إعادة بناء الثقة، وتحصين المؤسسات، وإعادة القرار إلى الدولة.
ويجب أن يكون ذلك مصحوباً بإعلان مكتوب بالتزام جميع الأطراف بنتائج هذا الحوار، تحت طائلة المساءلة السياسية أمام الرأي العام، خلال مدة زمنية محددة لا تتجاوز ستة أشهر، برعاية دستورية واضحة، ومرافقة دولية مضمونة تمنع تعطيله أو الالتفاف عليه.
الدول لا تبنى بقرارات مزدوجة، ولا يستطيع أي مكون أن يحمي نفسه خارج إطار الدولة إلى أجل غير مسمى.
وهنا يطرح سؤال واضح:
هل حصرية السلاح في يد الدولة كافية لوقف الهجمات الإسرائيلية؟
الجواب الواقعي: لا أحد يستطيع أن يضمن ذلك.
لكن وجود السلاح خارج إطار الدولة، كما هي الحال مع حزب الله، يوفر لإسرائيل الذريعة لتبرير عملياتها وهجماتها العسكرية، واستهدافها للمدنيين والبنية التحتية، كما يضعف موقف لبنان في مواجهة المجتمع الدولي.
في المقابل، فإن حصر السلاح بالدولة يضع لبنان في وضع مختلف تماماً. ويعزز شرعيته، ويحرج أي هجوم عليه باعتباره استهدافاً لقواته العسكرية الشرعية، ويعيد الصراع إلى حجمه الحقيقي أمام العالم، بدلاً من أن يبقى صراعاً غامضاً تستخدم فيه الذرائع لتبرير العنف.
وهنا لا يمكن أن نتجاهل التحذيرات المتزايدة التي يتم تداولها خلف الكواليس السياسية من احتمال انزلاق لبنان من جديد إلى جولة تصعيد جديدة.
قد لا تكون هذه السيناريوهات حتمية، لكنها تعكس مناخاً مقلقاً يتحدث عن مواجهة أكثر شراسة، قد لا تظل محصورة في الجنوب، بل قد تمتد إلى مناطق أوسع، في ظل غياب أي ضمانات فعلية لتحييد المدنيين أو حماية البنية التحتية.
إن مجرد تداول مثل هذه التقديرات ينبغي أن يكون كافياً لدق ناقوس الخطر، لا للتعامل معها باستخفاف أو إنكار، بل كمؤشر إضافي على أن استمرار الانقسام الداخلي يضع لبنان أمام أخطار مفتوحة.
المطلوب اليوم ليس انتصار فريق على آخر، بل إنقاذ وطن متهالك.
المعادلة أصبحت واضحة: إما أن نتوحد حول مشروع الدولة، أو نستمر في التفكك حتى نصبح مجرد ساحة تدار من الخارج.
وحينها لن يكون السؤال كيف نرتقي، بل هل سيكون لنا مكان، ليس فقط على طاولة القرار، بل في هذه المنطقة.
ديفيد عيسى
#بين #الانهيار #والعزلة. #لبنان #في #أخطر #لحظة
بين الانهيار والعزلة.. لبنان في أخطر لحظة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بين الانهيار والعزلة.. لبنان في أخطر لحظة
المصدر : www.elsharkonline.com
