دستور نيوز
بقلم عماد الدين أديب
وبعد مرور أكثر من شهر على الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، لا بد أن نتساءل: إذا كان هدف هذه الحرب هو إضعاف إيران، فهل تم إضعافها؟ هل انخفض مستوى التطرف السياسي والطائفي والأيديولوجي؟ فهل ضعفت علاقتها مع وكلائها في المنطقة؟ فهل تراجع تطرف هؤلاء العملاء؟ والسؤال الأكبر: هل قللت الحرب من جرأة إيران الأمنية والعسكرية في مواجهة جيرانها في دول الخليج العربي و”عدوها” إسرائيل؟
يقول أحد أهم المفكرين الاستراتيجيين ليدل هارت: “إذا كانت الحرب جزءًا من السياسة ولكن بشكل عسكري، فإن النقطة في النهاية هي تقسيم النتائج السياسية الموقعة بين الأطراف المتحاربة، فهي الشيء الوحيد الذي يكشف حقيقة الأعمال العسكرية”.
نحن الآن أمام مفترق طرق أو قرارين استراتيجيين:
• دون العودة إلى القتال، التوصل إلى صيغة مقبولة لدى الأطراف.
• العودة إلى القتال من أجل فرض شروط أفضل للتفاوض.
ومشكلة المشاكل أن كل طرف (إيراني وأميركي) يزعم زوراً وينفي علناً ليل نهار أن عامل الوقت لا يضغط عليه.
وكما قال المفكر الاستراتيجي والسياسي المتميز ونستون تشرشل: “ليس المهم في الحرب أن تؤمن أنك المنتصر، بل الأهم أن يعتقد عدوك أنه خسر”. ويضيف: «هنا فقط تستطيع أن تملي شروط المنتصر على المهزوم».
إيران ترفض الاعتراف بالهزيمة
الأزمة الكبرى التي يواجهها الجانب الإيراني هي أنه رغم الخسائر التي تتجاوز 300 مليار دولار، والخسائر اليومية من الحصار تعادل 450 إلى 500 مليون دولار، ووصول البطالة إلى أكثر من 40% من القوى العاملة، والتضخم الذي يتجاوز 45%، وفقدان العملة الوطنية 70% من قيمتها، فإنه يرفض «نفسياً» التعامل في المفاوضات كخاسر.
وما يتسرب من إسلام آباد حول الوساطة الباكستانية هو أن قائد الجيش الجنرال عاصم منير لمس من الجانب الإيراني خلال زيارته الأخيرة لطهران وخلال اتصالات الوساطة الأخيرة ما يلي:
1- يرى الإيراني أن عدم سقوط النظام بعد اغتيال المرشد الأعلى وكبار قياداته هو انتصار أكيد للصمود الإيراني، وهو في المقابل هزيمة للهدف الاستراتيجي “الأميركي الصهيوني” المتمثل في الضربة العسكرية.
2- لدى إيران الآن أوراق أكثر وأقوى بعد هذا الهجوم وهي:
أ- القدرة على الحظر والرد.
ب- تطوير قوة الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار في مجال الدقة والمدى والدمار.
3- إن قدرة إيران على فتح عدة جبهات في الوقت نفسه (إسرائيل، دول الخليج، الأردن، لبنان، العراق، اليمن)، والانخراط العسكري في عدة جبهات لا يشكل ميزة استراتيجية حصرية للجانب الإسرائيلي وحده.
قواعد التعامل في الأيام القادمة
في المقابل، هناك 4 تحركات جديدة إقليمياً ودولياً ستضع قواعد جديدة للمعاملات خلال الأيام القليلة المقبلة:
• أولاً: المحادثة الهاتفية التي استمرت ساعة ونصف بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، والتي جرت بناءً على طلب الأخير. ولم يكن معظم هذا الحديث عن إيران، بل عن أوكرانيا، حيث ألمح ترامب خلاله إلى لقاء بوتين مع عباس عراقجي قبل ثلاثة أيام، واحتمال أن تلعب موسكو دور «المستودع الآمن» لـ450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب.
ونسبت إلى مصادر أميركية أن ترامب لم يقبل الفكرة ولم يرفضها، لكنه علق على ذلك بالقول: “من الأفضل لموسكو أن تلعب دوراً فعالاً في ترشيد المفاوض الإيراني للقبول بالشروط الأميركية”.
• ثانياً: عقد قمة تشاورية في جدة لدول مجلس التعاون الخليجي واتفاق استراتيجي حول أمرين:
• التخزين الاستراتيجي وليس مناقشات النفط؟؟؟
• التعاون الاستراتيجي لإنشاء شبكة دفاعية إقليمية.
• ثالثاً: أعلنت الإمارات انسحابها من عضوية منظمة أوبك وأوبك بلس بعد 59 عاماً من العضوية. ويعتبر هذا القرار هو قرار المراجعة الاستراتيجية الأول، والذي ستتبعه قرارات أخرى.
القرار الإماراتي يعكس ما ألمحنا إليه من أن دول الخليج، بعد أن تصمت البنادق، ستبدأ بمراجعة استراتيجية شاملة لكل المواقف. كانت الإمارات أول من قرر إعادة تموضعها استراتيجياً، في قرار تاريخي مؤثر هو الأول ضمن مجموعة مراجعات أخرى لا تقل أهمية قادمة بلا شك.
• رابعاً: لقاء ترامب بقياداته الأمنية والعسكرية لتقييم الخيارات الأفضل:
• ضربة عسكرية جديدة.
• تشديد الرقابة على مضيق هرمز والسواحل الإيرانية.
الوقت العام
إن منطق ترامب الثابت هو: إذا لم تنجح القوة القسرية، فلنبدأ في استخدام قوة أكثر إلحاحاً وإيلاماً. تكلفة الحصار لها تأثير أكبر على الإيرانيين وأقل على الأميركيين.
أزمة ترامب هي “الزمن العام”.
ويتعرض «التوقيت العام» لضغوط بسبب اقتراب الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب. كما أنه يضغط على ترامب في الانتخابات الجديدة لاختيار حاكم لولاية كاليفورنيا، وهي ولاية ذات ميول ديمقراطية تاريخيا ومركزية سياسيا.
ويتعرض الجنرال وقت لضغوط بسبب طلب زيادة الإنفاق على هذه الحرب التي كلفت حتى الآن ما يقارب 50 مليار دولار، وهناك طلب لزيادة الاعتمادات المخصصة لها إلى ما بين 150 و200 مليار دولار.
حرب جديدة؟ مفاوضات جديدة؟ حصار أشد وأطول؟
كل هذا هو الذهاب إلى أبعد الحدود لتقويض الاستقرار في المنطقة، فلا أمن لأي منطقة، ولا تعزيز لترامب في الداخل، ولا خلاص لنتنياهو في انتخاباته المقبلة.
إن المقدمات العبثية في المنطقة لن تؤدي إلا إلى ولادة جنين مشوه يسمى “الشرق الأوسط المشوه”، لأنه سيعاني من وصف رئيس الوزراء الصيني السابق تشو إن لاي: “هذا عالم فيه تحالفات جديدة للبعض وانقسامات جديدة للبعض الآخر، ولكن الأمر المؤكد هو أن الجميع سيعاني من الفوضى في كل مكان!”.
عماد الدين أديب
#شرق #أوسط #جديد #مشوه
شرق أوسط جديد «مشوه»!
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – شرق أوسط جديد «مشوه»!
المصدر : www.elsharkonline.com
