دستور نيوز
عنب بلدي – الحسكة
تمثل الأزياء الشعبية في الجزيرة السورية جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي لسكان المنطقة، إذ ارتبطت منذ عقود بأنماط الحياة في الريف والبادية، وتشكل انعكاساً مباشراً للبيئة والمناخ والبنية الاجتماعية.
وبينما لا تزال هذه الملابس حاضرة في بعض القرى والأرياف، إلا أنها تلاحظ تراجعها تدريجياً في مدن الجزيرة، مثل الحسكة والقامشلي، حيث تفرض الأزياء الحديثة نفسها بشكل متزايد في الحياة اليومية.
وبحسب الباحث الاجتماعي علي الفتاح، فإن هذا التحول يعكس تغيرات اجتماعية واقتصادية سريعة، أثرت على علاقة السكان، وخاصة الشباب، بتراثهم في اللباس، وتحولت الأزياء الشعبية من ملابس يومية إلى رمز يمكن استعادته في مناسبات محدودة.
إرث متجذر في بيئة الجزيرة
نشأت الأزياء الشعبية في الجزيرة السورية نتيجة التفاعل الطويل بين الإنسان وبيئته، بحسب الباحث الاجتماعي علي الفتاح، حيث تم تصميمها لتناسب المناخ القاسي صيفاً وشتاءً. ويعتمد السكان في فصل الشتاء على الملابس الثقيلة المصنوعة من الصوف والجلد، أما في فصل الصيف فيلجأون إلى الأقمشة القطنية الخفيفة ذات الألوان الفاتحة.
كما تعكس هذه الأزياء تنوع مكونات المنطقة، فهي لم تقتصر على مجموعة أو جيل واحد، بل هي نتاج تجارب جماعية، حفظتها المجتمعات عبر الزمن، من خلال الحرف اليدوية والتفصيل التقليدي.
شاهد تفاصيل الفستان
وقال محمد العبد الله، ستيني من ريف الحسكة الجنوبي، إن الملابس التقليدية كانت جزءاً من الحياة اليومية، موضحاً أن “الرجل في الجزيرة كان يرتدي الشال في الصيف، وهو خفيف ومريح، أما في الشتاء فالفرو ضروري، وخاصة المصنوع من جلود الأغنام الصغيرة”.
وأضاف: “كنا نلبس الدرعة فوق ملابسنا، وكانت كالسترة، وكثيراً ما كانت مطرزة، أما الزبان فكان قطعة مميزة، مفتوحة من الأمام، وأكمام واسعة، وكنا نربطها بالخيوط”.
وتابع: «الحزام كان منتشراً أيضاً، ويتم ارتداؤه فوق الملابس الداخلية، وظل موجوداً في الريف حتى وقت قريب، إلى جانب الحزام الذي كنا نشد به الخصر، وكان مصنوعاً من الصوف أو الساتان».
وأشار إلى «الجسم وهو عبارة عن ثوب طويل فضفاض، والبنطال مع التكة، وأحياناً البنطلون فوقهما في الشتاء»، إضافة إلى قطع مثل «الخرقة الصيفية، والدمار، والإبط، والقطن الذي كان يلبس كمعطف».
ويرى محمد أن هذه الملابس «كانت مريحة ومناسبة لطبيعة العمل والحياة، وتحمل معنى الانتماء»، مضيفاً أن «اختفائها من المدن اليوم أمر مؤسف، لأنها جزء من هوية المنطقة».
الطلب يقتصر على «الكلاب» و«فروة الرأس»
وفي مدينة الحسكة، يتحدث الخياط أحمد الحسين (45 عاماً) عن التغيرات التي طرأت على مهنته خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى تراجع واضح في الطلب على خياطة الملابس التقليدية.
وقال أحمد: “اليوم الطلب على الملابس الشعبية شبه معدوم مقارنة بالسابق، وما هو مطلوب فعلياً يقتصر في معظمه على الكليابي، خاصة في الصيف، والفروة في الشتاء”.
وأضاف: «الكلابية مطلوبة لأنها مريحة وخفيفة، ويستخدمها الناس داخل المنازل، أما الفراء فلا يزال الطلب عليه في البرد، لكن لم يعد يتم ارتداؤه كما في السابق بشكل يومي».
ويرى الخياط أن أحد أبرز أسباب تراجع الطلب على الملابس التقليدية هو انتشار «البالية» المستوردة من دول الخليج، موضحاً أن «الملابس القادمة من الخليج، حتى المستعملة منها، أثرت بشكل كبير على عملنا، لأنها جاهزة، وأرخص ثمناً، وتناسب ذوق الشباب».
وتابع: «في الماضي كنا نفصل الصاية والعميل والدفوف بشكل مستمر، أما اليوم فقد اختفت هذه القطع تقريباً من الأسواق، ولم يعد أحد يطلبها إلا نادراً، وأغلبها لكبار السن أو للمناسبات الخاصة».
ويرى أحمد أن استمرار هذا الواقع يهدد بانقراض المهنة التقليدية، مضيفا أن “الكثير من الخياطين اضطروا إلى تغيير تخصصهم، أو التوجه نحو خياطة الملابس الحديثة”.
الشباب بين الراحة و”الموضة”
وقال محمود الخليل، شاب عشريني من مدينة الحسكة، إن الموضة العصرية أصبحت خياره الأول، معتبراً أن “الملابس العصرية أكثر تنوعاً وتناسب الحياة اليومية في المدينة”.
وأضاف: «أرتدي الكلابي في المنزل خلال فصل الصيف لأنه مريح، لكنه للاستخدام الداخلي فقط، ولا أرتديه خارج المنزل».
وأشار إلى أن بعض أصدقائه يفضلون ارتداء الملابس التقليدية في الأعياد والمناسبات، معتبرا ذلك “جزءا من الحفاظ على التراث”، لكنه أكد أن “هذا الاستخدام محدود، ولا يعكس الحضور اليومي كما كان في السابق”.
التواجد في الريف والتراجع في المدن
يظهر واقع الموضة الشعبية في الجزيرة السورية تناقضاً واضحاً بين الريف والمدينة، إذ لا تزال هذه الملابس تحافظ على وجودها في بعض القرى، في حين تراجعت بشكل ملحوظ في المدن التي تفرض الحياة العصرية متطلباتها.
ويرى الباحث الفتاح أن هذا التراجع مرتبط بتغير أنماط الحياة، وتأثير الأجيال الجديدة بـ”الموضة” العالمية، إضافة إلى توفر البدائل الجاهزة بأسعار أقل.
ورغم هذا التراجع، لا تزال الأزياء الشعبية تحافظ على مكانتها كرمز ثقافي، حيث تظهر في المناسبات الاجتماعية، وتعتبر جزءاً من الهوية المحلية لسكان الجزيرة السورية.
ويرى الباحث الاجتماعي علي الفتاح أن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب دعم الحرفيين وتشجيع إحياء هذه الألبسة بما يتناسب مع العصر، وإعطائهم فرصة للاستمرار.
وفي ظل التحولات السريعة، تظل الأزياء الشعبية شاهدة على تاريخ طويل من التكيف مع البيئة، ورغم تراجع حضورها في مدن الجزيرة، إلا أنها لا تزال حاضرة في الذاكرة، وهناك محاولات متفرقة لإحيائها، قبل أن تتحول إلى مجرد ذكرى من الماضي.
متعلق ب
#حضور #محدود #في #الريف. #هل #تخلت #الجزيرة #السورية #عن #اللباس #الشعبي
حضور محدود في الريف.. هل تخلت الجزيرة السورية عن اللباس الشعبي؟
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – حضور محدود في الريف.. هل تخلت الجزيرة السورية عن اللباس الشعبي؟
المصدر : www.enabbaladi.net
