.

أخبار منوعة – “صوت هند رجب” يكتم الأصوات

الفن و الفنانينمنذ 3 ساعات
أخبار منوعة – “صوت هند رجب” يكتم الأصوات


دستور نيوز

وكان من المقرر أن يشهد جمهور برلين العرض الأخير لفيلم «صوت هند رجب» نهاية أبريل الماضي في قاعة سينما ليشتبليك-كينو، بعد عروض استمرت لأكثر من أشهر في قاعات السينما المختلفة بالمدينة، وذلك بناءً على مشاركة الفيلم في الدورة الـ76 لمهرجان برلين السينمائي الدولي «برليناله» 2026، والتي استمرت من 12 إلى 22 فبراير من العام الجاري. كما عُرض الفيلم خارج إطار عروض المهرجان.

فاز هذا الفيلم، الذي أخرجته المخرجة التونسية كوثر بن هنية، بالجائزة القيمة في حفل “السينما من أجل السلام” في مهرجان برلين السينمائي. سبق لهذا الفيلم الوثائقي أن فاز بجائزة الأسد الفضي عام 2025 في الدورة الـ82 لمهرجان البندقية السينمائي، وعدد من الجوائز العالمية الأخرى.

تتضمن مسيرة المخرجة كوثر بن هنية سجلاً سينمائياً من الأفلام المرشحة والتي فازت أيضاً بجوائز مهمة. مثل فيلم “بنات ألفة” الذي فاز بجائزة الشرق للأفلام الوثائقية في الدورة الثالثة لمهرجان البحر الأحمر عام 2023، وفيلمها الروائي “زينب تكره الثلج” الذي فاز بجائزة التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج السينمائي عام 2016، والفيلم القصير “يد اللوح” الذي حصل على جائزة الجمهور في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2014.

ولا سلام بدون مساءلة

مع كل أهمية جائزة مهرجان برلين السينمائي، التي تعتبر نوعيا ثالث أهم مهرجان سينمائي في العالم، رفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية استلام الجائزة المقدمة على هامش مهرجان برلين الدولي، استنكارا واحتجاجا على تكريم الجنرال السابق في الجيش الإسرائيلي نوعام تيبون. ورفضت كوثر بن هنية استلام الجائزة عن فيلمها الذي صنف على أنه الفيلم الأكثر قيمة في حفل “سينما من أجل السلام” في مهرجان برلين السينمائي، احتجاجا على التكريم الذي حصل عليه الجنرال الإسرائيلي المتقاعد، عن دوره في فيلم “الطريق بيننا” للمخرج الكندي باري أفريتشن، والذي يتخذ فيه الجنرال المتقاعد قرارا بالقيام برحلة من تل أبيب إلى مستوطنة قريبة من شمال قطاع غزة من أجل إنقاذ ابنه وعائلته خلال هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول. 2023.

هذا الفيلم الذي تم سحبه من برنامج مهرجان تورونتو السينمائي في كندا ومن ثم إعادة إدراجه، بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني الدولي، كما صرح بذلك مخرجه باري أفريتشن في أحد اللقاءات الإعلامية، وعندما أعيد إلى برنامج مهرجان تورونتو السينمائي، قوبل الفيلم في عرضه الأول باحتجاجات حاشدة بالأعلام الفلسطينية؛ مما أدى إلى قيام شرطة تورنتو باعتقال أحد الأشخاص خلال هذه الاحتجاجات.

ورفضت المخرجة التونسية كوثر بن هنية استلام تمثال الجائزة وتركته في مكانه في القاعة، فهي لا تعتبره تمجيدا وتكريما للعمل السينمائي والفني بقدر ما هو “تذكير بالدماء” والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية المجسدة في الشعب الفلسطيني.

فيلم يجذب الأصوات الرائعة

فيلم “صوت هند رجب” تم إنتاجه عام 2025 بدعم فرنسي، تونسي، أمريكي، بريطاني، قبرصي، سعودي، وإيطالي. كما انضم عدد من نجوم هوليود للمساهمة في تنفيذ إنتاجه. مثل الممثل بيتر بيت، وجواكين فينيكس، وروني مارا، والمخرج والمؤلف جوناثان جليزر، والمنتج الكندي أوديسا، وغيرهم الكثير. تم تصوير أحداثه الروائية في تونس.

وقصد بن هنية في إخراج الفيلم الجمع بين الأسلوب الروائي والوثائقي، من خلال تجسيد مشاهد تحاكي ما يجري بين طاقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في مقرها برام الله، والذي قام بتمثيله أربعة ممثلين فلسطينيين: عامر حليحل، كلارا خوري، معتز ملحيس، وسجى الكيلاني، وما هو وثائقي من حيث توظيف 70 دقيقة من تسجيل المحادثات الهاتفية الأصلية التي جرت بين عمال الإغاثة الفلسطينيين في الضفة الغربية. وعم هند الذي يعيش في ألمانيا، ووالدتها التي تعيش في ألمانيا. وكانت بالقرب من موقع الهجوم وكانت الطفلة هند رجب محاطة بدبابات الجيش الإسرائيلي داخل سيارة. قُتل جميع أفراد عائلتها، وبقيت مهددة بالقصف.

تدور أحداث الفيلم في مركز قيادة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، حيث لا يتم نقل العنف الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي من خلال مشاهد الحرب والدمار؛ بل من خلال التسجيل الصوتي الأصلي للطفلة هند رجب.

في 29 يناير/كانون الثاني 2024، ركبت الطفلة هند رجب، البالغة من العمر خمس سنوات، السيارة مع عمها وخالتها وأطفالهما، هرباً من القصف الإسرائيلي على مدينة غزة. وفي الطريق تعرضت السيارة لهجوم من قبل الجيش الإسرائيلي، مما أدى إلى مقتل كل من كان في السيارة. ولم تنجو سوى الطفلة هند رجب، التي ظلت محاصرة داخل السيارة العالقة لساعات.

العثور على الضوء الأخضر

تلقى متطوعو الهلال الأحمر الفلسطيني نداء عاجل يفيد بأن الطفلة الفلسطينية هند رجب البالغة من العمر خمس سنوات كانت عالقة داخل سيارة أثناء الاجتياح الإسرائيلي لقطاع غزة. اتصل موظفو الهلال الأحمر بالطفلة هند وحاولوا تهدئة ذعرها. وتناوب الموظفان عمر وزميلته رنا على التحدث مع الطفلة عبر الهاتف، محاولين الحصول منها على معلومات عما يدور حولها وتهدئتها في الوقت نفسه.

في هذه الأثناء، كان مشرف الطاقم مهدي، ينسق عملية إنقاذ الطفلة الصغيرة من خلال الاتصال هاتفيا بمسؤولين في الجيش الإسرائيلي للحصول على الضوء الأخضر منهم، مما يسمح لطاقم الإسعاف بالتوجه إلى مكان احتجاز الطفلة هند. ولكن دون جدوى. وتمتد هذه الاتصالات إلى جهات أخرى كالسلطة الفلسطينية وبعض الأطباء الذين قد يساعدون في الحصول على الضوء الأخضر الذي يسمح لطاقم الإسعاف بالذهاب لإنقاذ الطفل. وتستمر هذه المحاولات والاتصالات لساعات طويلة، يتخللها خلافات ومشادات كلامية بين رئيس القسم مهدي، والموظف عمر، الذي يحاول البحث عن طرق بديلة خارج الرخصة الإسرائيلية من أجل إنقاذ الطفلة هند. بينما لا يريد المهدي المخاطرة بآخر ما تبقى من طاقم إسعاف الهلال الأحمر في قطاع غزة.

وأخيراً يأتي الضوء الأخضر ويأمر طاقم الإسعاف بالذهاب إلى المكان لإنقاذ الطفلة هند، ويتم متابعة وتوجيه سير سيارة الإسعاف عبر الإنترنت حتى تتغلب على العوائق والحواجز التي خلفها الدمار الشامل.

ينمو الأمل وتنتشر الفرحة على وجوه طاقم العمل والجمهور الذي يشاهد الفيلم. وفي الوقت نفسه، تطمئن الطفلة ووالدتها إلى أن الطاقم على وشك الوصول إليها خلال دقائق معدودة. وبعد أن كانت سيارة الإسعاف ومكان الطفلة هند على بعد أمتار قليلة، سمع طلقات نارية ومن ثم انفجار، وانقطع بعدها صوت الاستدعاء مع طاقم السيارة. يسود الصمت، ثم الظلام. وتظهر إحدى اللقطات الأخيرة للفيلم بقايا السيارة التي توفيت فيها هند رجب وعائلتها، وقد احترقت جميعها وتحولت إلى رماد، كما أن سيارة الإسعاف ليست بعيدة عنها أيضًا.

وبعد عشرين يوما من انسحاب الجيش الإسرائيلي، في 10 فبراير 2024، تم العثور على أشلاء الطفلة هند رجب وأقاربها واثنين من مسعفي الهلال الأحمر الفلسطيني. وبحسب فيلم “صوت هند رجب” فإن السيارة أصيبت بـ 355 رصاصة. وحظيت هذه الحادثة باهتمام إعلامي دولي واسع النطاق، وأدت إلى احتجاجات ضد الغزو الإسرائيلي لغزة في العديد من العواصم حول العالم.

صوت هند ليس صوت فتاة واحدة

ورغم أن معظم أحداث الفيلم تدور بشكل شبه حصري في مكان واحد، وهو المركز القيادي لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الذي أعادت المخرجة بناءه في تونس، إلا أنها تمكنت من خلق جو من التوتر، يخطف أنفاس المشاهد بمشاعر تتراوح بين التشويق المرير والأمل والبشاعة والعنف، وهو ما لا يقدمه الفيلم من خلال أي مشهد حرب أو قتل، لا على مستوى إعادة التمثيل ولا على المستوى المسجل؛ بل لا ينقل هذا العنف والقسوة إلا من خلال التسجيل الصوتي الأصلي للممثلين الأربعة الذين يجسدون شخصيات أعضاء المنظمة، حيث تتقاطع أصواتهم تارة وتتشارك تارة أخرى مع الأصوات الأصلية لطاقم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

اختار المخرج ممثلين فلسطينيين محترفين لهذه الأدوار؛ وما أعطى الفيلم بعداً جمالياً ومصداقية هو أنه استطاع تقريب حدث هند رجب من المشاهد بشكل دقيق، حيث تم اختيار الممثلين بعناية من حيث تشابههم مع أعضاء جمعية الهلال الأحمر الحقيقيين.

ويعد فيلم “صوت هند رجب” أسرع إنتاج للمخرجة كوثر بن هنية حتى الآن. مما أهله للمشاركة في فعاليات مهرجان البندقية السينمائي الدولي مطلع سبتمبر 2025. وهناك نال فيلم “صوت هند رجب” إشادة النقاد العالميين وحصل على العديد من الجوائز. ومنها الجائزة الكبرى ثاني أهم جائزة في المهرجان.

وبعد كل الجوائز التي حصل عليها الفيلم، لم تتسلم المخرجة جائزة برلين، وقالت في كلمتها في أمسية توزيع الجوائز الرسمية أمام الجمهور: «سأعود لتسلم الجائزة عندما يصبح السعي من أجل السلام التزاماً قانونياً وأخلاقياً متأصلاً في المساءلة».

وأشارت المخرجة التونسية إلى المسؤولية التي تشعر بها في إنتاج هذا الفيلم أكثر من الامتنان، وأن الحديث عن السلام لا يمكن فصله عن العدالة والمساواة. ثم أكدت قائلة: “صوت هند رجب ليس مرتبطًا بطفل واحد فقط، بل بالنظام الذي جعل قتلها ممكنًا”. كما انتقدت علناً تكريم المهرجان لشخصيات قدمت غطاءً سياسياً للإبادة الجماعية، من خلال إعادة صياغة قتل المدنيين على أنه “دفاع عن النفس” أو نتيجة “ظروف معقدة”، في إشارة إلى تكريم الجنرال السابق في جيش الاحتلال نوعام تيبون، عن دوره في الفيلم الوثائقي “الطريق بيننا، عملية الإنقاذ الأخيرة”.

وقال المخرج التونسي: “السلام ليس عطرا يرش على العنف، وبدون محاسبة لا سلام”.

ورفض بن هنية جائزة برلين بحجة أن السينما ليست عملية “غسل صور” أو تجميل الإبادة الجماعية كصورة جمالية؛ إن قتل الجيش الإسرائيلي للطفلة هند رجب وعائلتها واثنين من المسعفين الذين حاولوا إنقاذها، تم كل ذلك بتواطؤ ودعم الحكومات والمؤسسات القوية التي تمكنت من منع حدوث ذلك.

الخروج من القاعة ليس مثل دخولها

دخول الجمهور لمشاهدة العرض الأخير لفيلم “صوت هند رجب”، وأغلبهم من الشباب، دخلوا إلى قاعة سينما ليشتبليك-كينو شمال شرقي برلين، وكان بعضهم يرتدي الكوفية الفلسطينية، لكن الأمر لم يكن مثل الخروج منها. وساد صمت صامت طوال 90 دقيقة من العرض، وظهرت علامات الخجل والمسؤولية والغضب الداخلي. هذا الجمهور الذي كان صاخباً في أروقة صالة السينما، يضحك ويتكلم بصوت عالٍ ويتحدث براحة، أصبح أثناء العرض وكأنه غير موجود، ولا تسمع منه همساً.

ودخل عدد منهم إلى قاعة المعرض حاملين زجاجات المشروبات. لكن أثناء العرض لم يتم أخذ جرعة واحدة منه، حيث يوقف الفيلم الجرعات في الحلق، ويكب الأفواه عن التحدث أو حتى عن أي نغمة، ويشل حركة الشفاه حتى عن التبسم. وبعد مغادرة العرض، ينسحب الجمهور باحثًا عن العزلة ويستحضر المشاهد من جديد في مخيلته. وحتى نجوم مهرجان برليناله لم يسلموا من القوة التعبيرية في تجسيد عنف الاحتلال في فيلم «صوت هند رجب». ووجهت رسالة مفتوحة إلى منظمي المهرجان تطالبهم باتخاذ موقف واضح من حرب الإبادة الجماعية على غزة. وقد وقع على هذه الرسالة أكثر من 80 ممثلاً ومخرجًا وفنانًا مشاركًا في مهرجان برلين السينمائي. ومن بينهم تيلدا سوينتون وخافيير بارديم، ومخرجين مثل مايك لي وآدم مكاي.

#صوت #هند #رجب #يكتم #الأصوات

“صوت هند رجب” يكتم الأصوات

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – “صوت هند رجب” يكتم الأصوات

المصدر : www.hespress.com

.