.

اراء و اقلام الدستور – سلطة رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية – 1

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – سلطة رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية – 1


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب
تعد المعاهدات الدولية من أهم الأدوات القانونية التي تعبر الدولة من خلالها عن إرادتها في المجال الخارجي. كما أنها تشكل إحدى الوسائل الأساسية لتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية. وفي الدولة الحديثة لم تعد المعاهدة الدولية مجرد عمل سياسي أو دبلوماسي بحت، بل أصبحت عملا قانونيا معقدا تتقاطع فيه الاعتبارات الدستورية والسيادية والسياسية، نظرا لما قد يكون لها من آثار مباشرة أو غير مباشرة على النظام القانوني الداخلي، وعلى الحقوق والالتزامات العامة، وعلى مكانة الدولة في المجتمع الدولي.
ومن هذا المنطلق، تكتسب المادة 52 من الدستور اللبناني أهمية خاصة، لأنها تحدد الإطار الدستوري لسلطة رئيس الجمهورية في التفاوض وإبرام المعاهدات الدولية. وتنص المادة 52 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية مسؤول عن التفاوض وإبرام المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، ولا تبرم إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. كما تقضي المادة بإبلاغ مجلس النواب بذلك كلما كان ذلك في مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات المتضمنة شروطاً تتعلق بأموال الدولة، والمعاهدات التجارية، وغيرها من المعاهدات التي لا يجوز إبطالها عاماً بعد عام، فلا يجوز إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب.
ويتضح من هذا النص أن الدستور اللبناني يميز بين عدة مراحل في تكوين المعاهدة الدولية، وهي:
1. مرحلة التفاوض: وهي المرحلة التي يتم فيها مناقشة بنود المعاهدة ومضمونها.
2. مرحلة التوقيع أو الإبرام الأولي: وهي تعبير أولي عن إرادة الدولة في الالتزام بالمعاهدة مع مراعاة القواعد الدستورية الداخلية.
3. مرحلة موافقة مجلس الوزراء: وهذا شرط دستوري أساسي بعد تعديل الطائف.
4. حصر موافقة مجلس النواب على فئات معينة من المعاهدات التي يحددها الدستور حصراً.
وعليه فإن سلطة رئيس الجمهورية في هذا المجال يمارسها بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، ومن ثم تخضع المعاهدة لموافقة مجلس الوزراء حتى تصبح مبرمة دستورياً. شهدت المادة 52 من الدستور اللبناني تعديلات جوهرية في مراحل مختلفة، أبرزها تعديلات عامي 1927 و1943، ومن ثم التعديل الأساسي بعد اتفاق الطائف عام 1990. وقد حافظت هذه التعديلات، في جوهرها، على مكانة رئيس الجمهورية في مجال التفاوض على المعاهدات الدولية، إلا أن تعديل 1990 أدخل عنصراً مهماً جداً يتمثل في عبارة: “بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء”. هذه العبارة ليست تفصيلا لغويا أو إضافة شكلية، بل تعبر عن تحول عميق في بنية السلطة التنفيذية في لبنان. قبل الطائف، كان رئيس الجمهورية يتمتع بمكانة أكثر مركزية في النظام السياسي، لكن بعد الطائف، أصبح رئيس الوزراء شريكاً دستورياً ضرورياً في ممارسة عدد من الصلاحيات ذات الطبيعة السيادية، بما في ذلك سلطة التفاوض وإبرام المعاهدات.
ولذلك فإن المادة 52، بعد تعديلها، لا تسمح لرئيس الجمهورية باحتكار سير المعاهدة، كما أنها لا تسمح لرئيس مجلس الوزراء بأن يحل محل رئيس الجمهورية في الاختصاص التفاوضي. بل يفرض صيغة دستورية تعاونية تقوم على الارتباط بين منصب رئاسة الجمهورية ومنصب رئيس مجلس الوزراء، قبل أن تنتقل الكلمة الفصل إلى مجلس الوزراء الذي يتمتع، بحسب النص، بسلطة الموافقة النهائية ضمن السلطة التنفيذية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن التفاوض على المعاهدات الدولية هو بطبيعته عمل من أعمال السيادة الخارجية، لأنه يرتبط بتمثيل الدولة في علاقاتها الدولية، وبإرادتها في الدخول في التزامات قانونية تجاه أشخاص القانون الدولي العام. ولهذا السبب، تتجه الدساتير المقارنة إلى إسناد هذه المهمة لرئيس الدولة أو للسلطة التنفيذية، مع اختلاف في مدى الرقابة البرلمانية والقضائية عليها. أما لبنان، فبقيت سلطة التفاوض لدى رئيس الجمهورية، لكن هذه السلطة لم تعد مطلقة. ويتولى رئيس الجمهورية المفاوضات بالاتفاق مع رئيس الوزراء، مما يجعل التفاوض عملاً دستورياً مزدوجاً من حيث الإرادة السياسية، وممهداً لقرار جماعي يصدر عن مجلس الوزراء.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين:
– التفاوض: كعملية سياسية ودبلوماسية تسبق الالتزام النهائي.
– الخلاصة: كعمل قانوني دستوري له آثار داخلية ودولية.
وإذا بقي التفاوض في نطاق السلطة التنفيذية، فلن يتم الانتهاء منه إلا وفقاً للشروط الدستورية المنصوص عليها في المادة 52، لا سيما موافقة مجلس الوزراء، واقتصار موافقة مجلس النواب على بعض الحالات التي يقتضيها الدستور.
كما أن النص اللبناني في هذا المجال يستمد جانباً مهماً من روحه من التجربة الدستورية الفرنسية، لا سيما أن المادة 52 من الدستور الفرنسي تشكل مرجعاً مهماً في الجدل الفقهي المقارن. وقد تناول الفقه الفرنسي هذه القضية، ومنهم الحقوقي فيليب مانين، الذي أكد أن التفاوض على المعاهدات يبقى من اختصاص رئيس الجمهورية، باعتباره الممثل الأعلى للدولة في علاقاتها الخارجية. لكن المقارنة بين النظامين الفرنسي واللبناني يجب أن تتم بحذر. وفي فرنسا، يحظى رئيس الجمهورية، خاصة في ظل الجمهورية الخامسة، بموقع محوري في السياسة الخارجية. أما في لبنان، فإن التعددية السياسية والطائفية وطبيعة النظام البرلماني المعدل بعد الطائف تجعل ممارسة الصلاحيات الخارجية أكثر ارتباطا بمنطق التوافق داخل السلطة التنفيذية.
يتبع يوم الاثنين
د. ابراهيم العرب

#سلطة #رئيس #الجمهورية #في #التفاوض #على #المعاهدات #الدولية

سلطة رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية – 1

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – سلطة رئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية – 1

المصدر : www.elsharkonline.com

.