.

اراء و اقلام الدستور – نبيه بري: جدلية السلطة والزمن في بنية النظام اللبناني

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – نبيه بري: جدلية السلطة والزمن في بنية النظام اللبناني


دستور نيوز

مصباح العلي
في لبنان، لا يُقاس السياسي بعمره الزمني، بل بقدرته على البقاء ضمن الزمن السياسي نفسه. من هذه الزاوية، يبدو أن نبيه بري حالة تتجاوز السيرة الذاتية إلى ما يشبه ظاهرة بنيوية داخل النظام. وهو ليس مجرد رئيس للبرلمان لفترة طويلة، بل هو تعبير حي عن كيفية تكيف الكيانات السياسية اللبنانية مع التحولات الكبرى، من دون أن تفقد جوهرها القائم على التوازنات الدقيقة والهشة في الوقت نفسه.
منذ لحظة صعوده خلال الحرب الأهلية اللبنانية، لم يتعامل بري مع السياسة كفعل فوري، بل كمسار تراكمي، حيث تبنى السلطة من إدارة التناقضات، وليس من حلها. وبهذا المعنى يقترب من المدرسة الواقعية في الفكر السياسي، حيث لا توجد انتصارات نهائية، بل إعادة إنتاج متواصلة لمعادلات القوة. ولم يسعى قط إلى كسر خصومه بقدر ما عمل على احتوائهم ضمن شبكة علاقات معقدة جعلت منه نقطة تقاطع لا يمكن تجاوزها.
هذا النمط من إدارة السلطة يحيلنا، فلسفيا، إلى فكرة “الوسيط الضروري” في الأنظمة المعقدة: ذلك الفاعل الذي لا يملك القدرة على اتخاذ قرار كامل، ولكن لديه القدرة على تعطيل أي قرار لا يمر من خلاله. وهنا تكمن قوة بيري الحقيقية. فهو لم يكن مجرد زعيم ثوري يسعى إلى تغيير النظام، ولا إدارياً فنياً يعمل ضمن قواعده فحسب، بل كان -ولا يزال- الحارس غير المعلن لمنطقه الداخلي.
لقد فهم بري مبكراً أن النظام اللبناني ليس دولة بالمعنى الكلاسيكي، بل هو توازن دائم للقوى بين الجماعات. ومن هنا كان سلوكه السياسي أقرب إلى إدارة «الهشاشة» من محاولة إنهائها. وهذا النهج، رغم ما يحمله من تناقضات، هو ما سمح له بالبقاء فاعلاً عبر مراحل مختلفة: من زمن اتفاق 17 أيار/مايو إلى مرحلة اتفاق الطائف، وصولاً إلى زمن الصراعات الإقليمية المفتوحة اليوم.
لكن أهمية بري لا تقتصر على قدرته على البقاء، بل على قدرته على إعادة تحديد موقعه في كل مرحلة. انتقل من زعيم ميليشيا إلى رجل دولة، ومن لاعب داخلي إلى وسيط إقليمي، من دون أن يفقد ارتباطه بالبيئة التي أنتجته. وهذه القدرة على التحول دون الانقطاع عن الجذور هي ما يمنحها نوعية “الاستمرارية النادرة” في نظام يتآكل فيه القادة بسرعة.
لكن هذه الاستمرارية نفسها تثير سؤالاً فلسفياً أعمق: هل يمثل بري استثناءً داخل النظام، أم أنه التعبير الأكثر اكتمالاً عنه؟ بمعنى آخر هل هو نتيجة خلل في بنية النظام أم أنه دليل على تماسكه الداخلي رغم كل الأزمات؟
الجواب على الأرجح يكمن في المنطقة الوسطى. بري هو ابن هذا النظام بقدر ما هو أحد أركانه. ساهم في إرساء قواعد اللعبة، لكنه في الوقت نفسه أتقن استغلال ثغراتها. ومن هنا يمكن القول إن تأثيره في التاريخ السياسي اللبناني لا يكمن في مواقفه فحسب، بل في الطريقة التي أعاد بها إنتاج مفهوم «السلطة» نفسه: السلطة التي لا تمارس من موقع الهيمنة، بل من موقع القدرة على منع الهيمنة.
وفي اللحظة الراهنة، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الانقسامات الداخلية، يعود بري ليلعب الدور نفسه، لكن في سياق أكثر تعقيداً. فهو يدرك أن أي تحول جذري في النظام قد يقلب التوازنات التي سمحت له بالبقاء، لكنه يدرك أيضاً أن الركود الكامل لم يعد ممكناً. ولذلك فهو يتحرك في مساحة ضيقة بين الحفاظ على النظام وإعادة تكييفه.
وهنا تظهر المفارقة: الرجل الذي كان يمثل دائماً «استقرار النظام» قد يجد نفسه مضطراً إلى المساهمة في تغييره، ولو تدريجياً. ليس من باب الإصلاح النظري، بل من باب الضرورة التاريخية. النظام اللبناني، كما تشكّل بعد اتفاق الطائف، يواجه اليوم حدود قدرته على الاستمرار، في ظل تحولات إقليمية عميقة وتآكل داخلي مستمر.
في هذا السياق، يمكن قراءة سلوك بري على أنه نوع من «البراغماتية الفلسفية»: فهو لا يؤمن بالانقطاعات الحادة، بل بالتغييرات البطيئة التي تحافظ على الشكل العام للنظام، مع تغيير محتواه تدريجياً. وهذا النهج قد يؤخر الانفجار، لكنه لا يقضي عليه. وهنا يكمن التحدي الأكبر: هل يستطيع بري بخبرته وتاريخه أن يقود انتقالاً هادئاً نحو صيغة جديدة، أم أن دوره سيبقى مقتصراً على إدارة فترة الموت الطويلة؟
في النهاية، لا يمكن اختزال نبيه بري في منصب أو منصب واحد. هي تعبير عن مرحلة، وطريقة لفهم السياسة في لبنان: سياسة تقوم على التوازن لا الحسم، وعلى إدارة الوقت لا كسره، وعلى قراءة التاريخ كأداة في الحاضر، لا عبئاً عليه.
وفي دولة أشبه بالتسوية الدائمة يظل السؤال مفتوحاً: هل يستطيع نظام مبني على رجال من عيار بري أن ينتج مستقبلاً مختلفاً، أم أن هؤلاء الرجال يشكلون حدوداً له في نهاية المطاف؟
مصباح العلي

#نبيه #بري #جدلية #السلطة #والزمن #في #بنية #النظام #اللبناني

نبيه بري: جدلية السلطة والزمن في بنية النظام اللبناني

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – نبيه بري: جدلية السلطة والزمن في بنية النظام اللبناني

المصدر : www.elsharkonline.com

.