.

اراء و اقلام الدستور – أدوات الغفران…النسخة السورية!

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – أدوات الغفران…النسخة السورية!


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

منذ سقوط نظام الأسد، كثر الحديث في الخطاب الرسمي والشعبي عن العدالة الانتقالية كأحد عناوين المرحلة الجديدة. إلا أن ما يجري على الأرض لا يوحي بأن هناك طريقاً جدياً لتحقيق العدالة بقدر ما يشير إلى سياسة مقلقة تقوم على تمييع هذا الحق وتحويله إلى مجرد شعار أجوف. فبدلاً من أن تكون العدالة الانتقالية بوابة لمحاسبة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا، يتم التعامل معها وكأنها عبء يجب إزالته بأقل قدر ممكن من الإزعاج، حتى لو كان الثمن هو إعطاء العديد من رموز الجريمة وداعميها ما يستحقونه. إنه مشابه للتسامح.

في الجوهر، العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا ولا بندًا يمكن تجاوزه على أجندة السلطة الجديدة. بل هو شرط أساسي لبناء دولة القانون وإعادة الثقة بين المجتمع والدولة. فالمجتمعات التي خرجت من حروب أو أنظمة استبدادية لا تستطيع الانتقال إلى الاستقرار إلا عندما تواجه ماضيها بصدق، وتكشف الحقيقة، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم، وتوفر العدالة للضحايا. إن القفز فوق هذا الاستحقاق أو الالتفاف عليه ببعض الإجراءات الترقيعية لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظلم بأشكال جديدة.

وفي الحالة السورية تبدو المشكلة أكثر تعقيداً وخطورة. إن الجرائم التي ارتكبت خلال سنوات النزاع ليست جرائم عادية يمكن نسيانها بسهولة. نحن نتحدث عن مئات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من المعتقلين والمخفيين قسرياً، ومدن دمرت، وانتهاكات موثقة على نطاق واسع. ورغم كل ذلك، فإن هناك ميلا واضحا في الخطاب والممارسة نحو إغلاق ملف المساءلة أو إفراغه من محتواه، عبر إدخال الضحايا وذويهم في متاهات إجرائية وقانونية طويلة، بما في ذلك الادعاء بأن تحريك الدعوى يتطلب مطالبات شخصية من الضحايا أو ذويهم، وكأن الجرائم المرتكبة مجرد خلافات فردية بين الناس، وليست جرائم خطيرة ارتكبت في حق المجتمع بأكمله. في حين نصت القوانين على أن النيابة العامة هي الجهة المنوطة برفع الدعاوى العامة في الجرائم الكبرى، خاصة تلك التي تمس الأمن المجتمعي العام أو تنطوي على جرائم ضد الإنسانية، أي أن رفع الدعوى لا ينبغي أن يكون مشروطا بقدرة المجني عليهم على تقديم شكاوى فردية أو تقديم الأدلة. والأكثر إثارة للدهشة هو أن هذا الاقتراح يأتي في وقت تتوفر فيه كميات هائلة من الأدلة والوثائق، حيث تم جمع ملايين الوثائق على مدى السنوات الماضية التي تدين أجهزة النظام ورموزه، سواء تلك التي وجدت في المقرات الأمنية أو تسربت منها، أو تلك التي وثقتها المنظمات الحقوقية السورية والدولية، وأودعت نسخ منها لدى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة، بموجب مذكرات تعاون بينها وبين المنظمات الحقوقية السورية.

يعد الملف السوري من حيث حجم وصناعة التوثيق من أكثر الملفات توثيقا في تاريخ الصراعات المعاصرة، وإذا لم تتحرك العدالة رغم كل هذا الكم من الأدلة، فإن المشكلة لا تكمن في نقص المعلومات، بل في غياب إرادة المحاسبة.

إن أخطر ما في سياسة تمييع العدالة الانتقالية هو الرسالة التي ترسلها إلى المجتمع أو إلى عائلات الضحايا أو الناجين، مفادها أن من ارتكبوا جرائم أو دعموا مرتكبيها يحصلون على مناصب جديدة أو يتم إعادة دمجهم في الحياة العامة دون محاسبة. عملياً، يعني ذلك منحهم نوعاً من العفو الضمني، أو ما يشبه الانغماس السياسي. ولا تمثل هذه الرسالة خيانة للضحايا فحسب، بل تمثل أيضًا تشجيعًا ضمنيًا للإفلات من العقاب.

ولا يستطيع أي مجتمع أن يبني مستقبلا مستقرا على أساس إنكار الماضي أو تجاهل العدالة. فالجرح الذي لا يعالج يظل مفتوحا، والظلم الذي لا يحاسب مرتكبوه يتحول مع مرور الوقت إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام. ولذلك فإن العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي عملية شاملة تهدف إلى كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار الجرائم. فإما تحويلها إلى عملية بيروقراطية معقدة، أو استخدامها كغطاء لسياسات الاستيطان مع مرتكبيها، يعني ببساطة إفراغها من محتواها. ثم يصبح العدالة. مجرد شعار، وتتحول المساءلة إلى استثناء نادر، حيث يجد المجتمع نفسه أمام واقع خطير: نظام جديد يعيد إنتاج واحدة من أسوأ سمات النظام القديم، وهي الإفلات من العقاب.

السوريون الذين دفعوا أثماناً باهظة خلال السنوات الماضية لا يطالبون بالمستحيل. العدل هو ضمان السلم الأهلي واستقرار المجتمع وضمان عدم التكرار. المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على النسيان القسري، أو على المصالحة بالمال والعفو عن مرتكبيها، بل على الاعتراف بالجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها، والاعتراف بفشل المؤسسات، ومعرفة كيفية إصلاحها. ومن دون ذلك ستبقى العدالة الانتقالية في سوريا مجرد عنوان جميل بلا مضمون، وسيبقى الخوف من أن يتغير. حلم دولة القانون يمثل فصلاً جديداً من خيبة الأمل السورية.

#أدوات #الغفران…النسخة #السورية

أدوات الغفران…النسخة السورية!

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – أدوات الغفران…النسخة السورية!

المصدر : www.enabbaladi.net

.