.

اراء و اقلام الدستور – مقتل أمل خليل: رسالة إسرائيل بالنار؟

سامر الشخشيرمنذ 4 ساعات
اراء و اقلام الدستور – مقتل أمل خليل: رسالة إسرائيل بالنار؟


دستور نيوز

بقلم أيمن الجزيني
“أساس ميديا”
قُتلت الصحافية في صحيفة الأخبار أمل خليل في بلدة الطيرة جنوب لبنان بدم إسرائيلي بارد. تم استهدافها من قبل صحافية إسرائيلية مع زميلتها المصورة زينب فرج. كلاهما نجا في البداية. وأرسلت تل أبيب طائرة حربية لتدمير المبنى الذي لجأت إليه أمل، ومنعت فرق الإغاثة والصليب الأحمر من الوصول إليه. وواصلت إسرائيل حصارها تحت أنقاض المبنى المدمر. وكانت أمل ستكتب رواية عن ذلك لولا استشهادها.
لم أكن أعرف أمل خليل عن قرب، لكني شعرت كلما قرأتها أنها تعرف وجوه أهل الجنوب واحداً تلو الآخر، وتخاف عليهم وكأنهم جزء من ذاكرتها الشخصية. لم تكن نصوصها مجرد أخبار، بل كانت أشبه باعترافات هادئة عن هذا الوطن المتعب: عن الأمهات اللاتي ينتظرن، عن البيوت التي تقف صامتة، وعن التفاصيل الصغيرة التي نحاول جميعًا التمسك بها حتى لا تنهار.
إن رحيلها بهذه القسوة يثير سؤالاً مؤلماً حول معنى الكلمة في وقت يتم فيه استهداف الشهادة على الحقيقة. عندما يُقتل صحفي، لا ينطفئ صوت فرد فحسب، بل تتأثر مساحة كاملة من الذاكرة والحق في الرواية. لكن يبقى ما كتبته أمل أثرا حيا، وكأن كلماتها تواصل مهمتها بعد غيابها، وتذكرنا بأن الصحافة في جوهرها ليست مهنة عابرة، بل عمل إنساني وسياسي هادئ في مواجهة النسيان.
لم يكن مقتل الصحافية أمل خليل حدثاً عابراً يمكن إدراجه في خانة «الخسائر الجانبية» لحرب مفتوحة. إن ما حدث كان عملاً سياسياً مكتمل الأركان، وجاء في وقت محسوب عشية مفاوضات حساسة ليحمل رسالة واضحة: المفاوضات لن تتم إلا تحت النار، وتحت سقف القوة والإرهاب، وليس تحت سقف القانون الدولي.
في الحروب التقليدية، من المفترض أن يكون التصعيد بديلاً للتفاوض، لكنه في الحالة الإسرائيلية هو لغة التفاوض نفسها. النار في الجنوب ليست انحرافاً عن السياسة، بل هي أداتها الأكثر فعالية. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف صحافي ميداني معروف كان يغطي يوميات الحرب في الجنوب، يصبح جزءاً من الضغط الهندسي على اللبنانيين من خلال تدمير نماذج في يومياتهم، وليس خطأً عملياتياً.
من الميدان إلى الطاولة
أن يقتل صحافي في لحظة اقتراب المفاوضات ليس تفصيلاً، بل هو إعلان صريح عن دخول إسرائيل في أي مسار تفاوضي مع سعيها إلى رفع التكلفة على الطرف الآخر مقدماً. لبنان الذي يجلس إلى الطاولة مثقلاً بأزماته، لا يُدفع نحو موقع الدفاع عسكرياً فحسب، بل سياسياً ونفسياً أيضاً.
الرسالة هنا ذات شقين: أولاً، الجنوب لا يزال مكشوفاً، وأي حديث عن التهدئة هو هدنة قابلة للكسر في أي لحظة. ثانياً، إسرائيل غير قادرة على توسيع دائرة الاستهداف لتشمل ليس فقط المقاتلين والمنشآت العسكرية، بل أيضاً كل من كان موجوداً في منطقة الحدث، بما في ذلك أولئك الذين ينقلون الوقائع والأحداث.
وبهذا المعنى يتحول القتل إلى أداة تفاوض غير مباشرة. كل غارة وكل استهداف يعيد رسم حدود ما هو ممكن على طاولة المفاوضات.
الحرب على الرواية؟
لكن ما يجعل مقتل أمل خليل أكثر خطورة ليس توقيته فحسب، بل طبيعته أيضا. إن استهداف الصحفيين ليس عملاً عشوائيًا في مثل هذه السياقات، بل هو خيار واعي. فالصحفي في الميدان لا يهدد ميزان القوى، بل يهدد الرواية.
وفي الحروب الحديثة، لم تعد المعركة تدور حول الأرض وحدها، بل أيضاً حول الصورة. فمن يروي الحدث يملك جزءاً من نتائجه، فيصبح إسكات الشهود جزءاً من الاستراتيجية العسكرية، أو العمليات العسكرية.
فإسرائيل لا تضغط على لبنان لتقديم التنازلات فحسب، بل تسعى إلى فرض معادلة أعمق: المفاوضات لن تكون بين طرفين متساويين، بل بين قوة تمارس العنف وأقصى قدر من الضغط. وفي هذه المعادلة ليس الصحفي خارج الصراع، بل في قلبه، لأنه يملك ما هو أخطر من السلاح: القدرة على الشهادة للحقيقة، ولهذا يُقتل.
الضغط على لبنان
ولا يمكن فصل هذا الحدث عن موقع لبنان نفسه. الدولة اللبنانية، في لحظة التفاوض، لا تملك ترف المناورة: اقتصاد منهار، ومؤسسات ضعيفة، وانقسام سياسي حاد، وكلها عوامل تجعلها أكثر عرضة للضغوط.
وإسرائيل تدرك ذلك جيداً، وبالتالي فإن التصعيد ليس موجهاً فقط نحو «الخصم العسكري»، بل نحو الدولة ككل. والهدف ليس تعديل قواعد الاشتباك فحسب، بل إعادة فرض سياسة أوسع: من شكل الانتشار الإسرائيلي في الجنوب إلى طبيعة الضمانات الأمنية المطلوبة من لبنان. بمعنى آخر، تُستخدم النار هنا لإعادة تعريف الدولة اللبنانية نفسها. ما يمكنك قبوله، وما يمكنك رفضه.
أيمن الجزيني

#مقتل #أمل #خليل #رسالة #إسرائيل #بالنار

مقتل أمل خليل: رسالة إسرائيل بالنار؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – مقتل أمل خليل: رسالة إسرائيل بالنار؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.