دستور نيوز
انطوان العويط
الجمعة 24 أبريل 2026 – 10:03
المصدر: صوت لبنان
انعقدت الجولة الثانية من المفاوضات التمهيدية في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، على خلفية مشهد إقليمي أكثر توترا وتعقيدا، حيث تسود حالة من عدم اليقين في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وتحديدا حول ما إذا كان مناخ التسوية بينهما سيتقدم على حساب مؤشرات المواجهة.
واكتملت هذه الجولة بمفاجأة غير متوقعة، إذ نقلت الإدارة الأميركية، قبل وقت قصير من انطلاقها، مكان المناقشات من مقر وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض، في خطوة تتجاوز مضامينها البعد الشكلي لتلامس عمق الرسائل السياسية التي تقف وراءها.
ولم يكتمل ثقل الحدث حتى استقبل الرئيس دونالد ترامب شخصياً، ومعه أركان إدارته، الوفدين المفاوضين، في مشهد نادر وغير مسبوق رفع لبنان إلى مصاف الأولويات المباشرة داخل مركز صنع القرار الأميركي، وأعطى المسار التفاوضي طابعاً استثنائياً وغير مسبوق، يعكس حجم الرهانات الموضوعة عليه وتشابك المصالح المرتبطة به.
في هذا الوقت الحرج، لا يبدو الداخل اللبناني خارج المعادلة، إذ تتقاطع إرادته على أرضه، وتتجاذبها مشاريع متضاربة ومتضاربة، بين اندفاع رسمي قوي نحو التفاوض المباشر باعتباره طريق الإنقاذ الوحيد المتاح، ومحاولات داخلية لعرقلته، تتراوح بين المواجهة العنيفة والرفض الجذري من قبل «حزب الله»، وبين الأدوار الرمادية التي لا تزال ملامحها غامضة، والتي يُنظر إليها على أنها تفتقد إلى بدائل فعلية أو يمكن التحقق منها. السيطرة على وتيرة التفاوض وتقييده، مما يساهم في رسم حدود سياسية ضيقة لسقوفه المحتملة.
لكن الوتيرة التي اعتمدتها الدولة لم تتعثر، إذ لا يمكن للبنان أن يتخلى عن مثل هذا الخيار، مهما اشتد التهديد على الرئاستين الأولى والثالثة. وهذا يعني، في حال حدوثه، إما العودة إلى حرب مدمرة حتمية لا ضوابط لها لا في الزمن ولا في النتائج، أو انقراضاً كاملاً ونهائياً لمفهوم الدولة التي تسعى إلى استعادة قرارها وهويتها وسلطتها من أيدي فصيل عسكري موازي خارج الشرعية، خاضع لدولة أجنبية هي إيران، في وقت دقيق يحيط بالمنطقة وتعقيدات كثيرة تحيط بلبنان من كل حدب وصوب.
في موازاة ذلك، تتسع الفجوة بين الرؤيتين اللبنانية والإسرائيلية إلى حد يكاد يجعل التفاوض أقرب إلى إدارة الصراع منه إلى إنتاج الحل، على الأقل في المرحلة الأولى من انطلاقته.
وطرح لبنان عبر موقعه الرسمي مجموعة شروط واضحة ومباشرة، وفي مقدمتها تمديد الهدنة، ونجح في الحصول على هذا التمديد لثلاثة أسابيع، في خطوة تعكس قدرة تفاوضية متقدمة وتظهر حضوراً فاعلاً في إدارة اللحظة الدقيقة، وليس مجرد التكيف مع إملاءاته. لكن تبقى مطالب أخرى دون إجابات فورية، وتتعلق بالوقف الشامل للعمليات العسكرية، ووقف تدمير القرى، ووقف الاعتداءات على المدنيين وسيارات الإسعاف والصليب الأحمر والإعلاميين، والانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، بما في ذلك ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وإطلاق سراح الأسرى، واستكمال ترسيم الحدود البرية والبحرية، وبالتالي إغلاق ملف الصراع الحدودي بشكل نهائي.
في المقابل، ترتفع السقوف الإسرائيلية إلى مستوى يتجاوز مجرد الترتيبات الأمنية الظرفية، نحو مسار متكامل يبدأ بسحب سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، ويمتد إلى الانسحاب العسكري. ولا يقدم كاستحقاق واضح، بل كورقة تفاوض مشروطة، مرتبطة بإحراز تقدم ملموس على هذا المسار، ويتم تنفيذه تدريجياً وفق جدول زمني متدرج.
ولا تقف المطالب الإسرائيلية عند هذا الحد، بل تتعداه إلى محاولة إرساء واقع أمني جديد من خلال الحفاظ على منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، يمكن إدارتها بشكل مشترك، ولكن تحت إشراف إسرائيلي مباشر. وبالإضافة إلى البعد الأمني، ولاحقاً السياسي، يبرز مقاربة اقتصادية موازية، تسعى من خلالها إسرائيل إلى ربط لبنان بها عبر بوابة النفط والغاز، سواء عبر ما تسميه «المنطقة الاقتصادية الجنوبية»، أو عبر تفاهمات تمس الكتل البحرية، وبالتالي تحويل الاقتصاد إلى أداة استقرار للمعادلة السياسية والأمنية الجديدة.
لكن ما يجري على طاولة المفاوضات لا يعكس وحده صورة المشهد. الساحة في جنوب لبنان تقول شيئاً مختلفاً تماماً. ويتعرض اتفاق وقف إطلاق النار لسلسلة من الانتهاكات المتواصلة، تتقدم فيها إسرائيل من خلال عمليات هدم ممنهجة، وتغير تدريجي في الحقائق الجغرافية، واستمرار الاستهداف العسكري، فيما رد حزب الله حتى الآن بهجمات محدودة ومتعمدة، بلغت ذروتها بالتزامن مع اجتماع البيت الأبيض، من خلال قصف استهدف شمال إسرائيل، محاولاً إيصال أكثر من رسالة في الوقت نفسه: رفض العودة إلى ما كان عليه الوضع في تفاهمات نوفمبر 2024، ورفض منح إسرائيل الحرية العسكرية. حراك تحت أي مسمى، والأهم من ذلك، التشكيك في جدوى المسار التفاوضي الحالي في واشنطن.
وهنا ينكشف التناقض الجوهري في المفاوضات التي ثبتت الهدنة وطورتها تمهيداً لجولة ثالثة أكثر عملية وأعلى مستوى، مقابل ساحة تعيد إنتاج أسباب الانفجار. ورغم المساعي الأميركية الحثيثة والعملية لفصل الملف اللبناني عن نظيره الإيراني، إلا أن قرار التصعيد أو التهدئة يبقى رهين الصورة النهائية لما قد تؤدي إليه العلاقة بين واشنطن وطهران. وإذا انزلقت الأمور نحو مواجهة متجددة مع إيران، فمن المرجح أن ينخرط حزب الله في القتال مرة أخرى. أما لبنان، بمعادلاته الوطنية ومصالحه الحيوية، فلا مصلحة له في العودة إلى دوامة الحرب، بل في تثبيت مسار التهدئة وفتح أفق مختلف يجنبه تكلفة انفجار آخر.
وفي الختام، لا يزال لبنان، حتى الآن، معلقاً بين طاولة المفاوضات وضجيج الميدان، عالقاً في منطقة رمادية، لا حرب فيها تحل ولا يتحقق فيها السلام.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#لبنان #بين #البيت #الأبيض #والميدان #انفراج #أم #انفجار #صوت #لبنان #صوت #لبنان
لبنان بين البيت الأبيض والميدان: انفراج أم انفجار؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان بين البيت الأبيض والميدان: انفراج أم انفجار؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
