دستور نيوز
بقلم أيمن الجزيني
“أساس ميديا”
في تاريخ الدول، لا تقاس اللحظات المحورية بطولها الزمني، بل بقدرتها على إعادة تحديد المسار. وبهذا المعنى، يمكن قراءة خطاب رئيس الجمهورية جوزف عون كلحظة تأسيسية في التاريخ اللبناني المعاصر، ليس لأنه أعلن موقفاً سياسياً فحسب، بل لأنه أعاد صياغة معنى الدولة نفسها.
لم يكن الخطاب تعليقاً على وقف إطلاق النار بقدر ما كان إعلاناً عن نهاية مرحلة كاملة: مرحلة «مرحلة» لبنان، وبداية مشروع «الدولة» اللبنانية. بهذه اللغة الواضحة التي كسرت تقاليد الغموض السياسي، برزت إرادة صريحة لاستعادة القرار الوطني من تشابكاته الإقليمية، وإعادته إلى مركزه الطبيعي: بيروت.
إنها لحظة انتقال من التكيف مع الخلل إلى محاولة تصحيحه، ومن إدارة الأزمة إلى السعي إلى تفكيك بنيتها. وهنا بالتحديد تكمن أهمية الخطاب: أنه لا يصف الواقع، بل يتحدىه.
من الوصاية إلى السيطرة: الطريق الطويل للتبعية
ولا يمكن فهم هذا التحول من دون العودة إلى البنية التاريخية التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. وكانت البلاد خاضعة لنظام الوصاية المباشرة في عهد حافظ الأسد، واستمر هذا النفوذ بشكل معدل في عهد بشار الأسد، عندما كانت السيادة اللبنانية مشروطة بإرادة خارجية.
بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005، بدا أن لبنان يتجه نحو استعادة استقلاله. لكن هذا الاستقلال بقي غير مكتمل، إذ سرعان ما تشكلت بنية مهيمنة جديدة، أقل مباشرة وأكثر تعقيداً، تتمثل في صعود «الحزب» كقوة عسكرية سياسية تتجاوز الدولة وتعيد ربط لبنان بمحور إقليمي.
لبنان لم يخرج من منطق التبعية، بل أعاد إنتاجه. من الوصاية الواضحة إلى الهيمنة الضمنية، ومن قرار خارجي صريح إلى قرار داخلي مرتبط بالخارج. خطاب عون يكسر هذه الاستمرارية ويعلن أن هذا الطريق ليس قدراً.
الجرأة في التسمية: الواقع غير المسمى لا يمكن تغييره
اللغة في لبنان كانت دائماً أداة لإدارة التناقضات، وليس لحلها. وكانت مصطلحات مثل “التوازن” و”الخصوصية” تحجب العجز البنيوي عن اتخاذ القرارات. لكن خطاب عون كسر هذه القاعدة، واعتمد لغة مباشرة أعادت تعريف المشكلة بأسمائها الحقيقية: سيادة منقوصة، وقرار مرهون، ودولة غائبة.
وهذه الجرأة ليست تفصيلاً خطابياً، بل هي شرط سياسي. لا يمكن تغيير الواقع الذي لا يمكن تسميته. ومن هنا، فإن الخطاب لا يطرح مشروعاً سيادياً فحسب، بل يرسّخه لغوياً، من خلال تفكيك القاموس الذي شرع الخلل منذ عقود. وأبرز ما يميز الكلمة تلك الجرأة النادرة في تسمية الأشياء بأسمائها. ولم يختبئ خلف تعبيرات رمادية أو توازنات لغوية، بل تحدث بوضوح عن استعادة القرار اللبناني، وعن رفض أن يكون لبنان «ورقة في جيب أحد».
تفكيك خطاب «المقاومة»: من الإقناع إلى الطريق المسدود
يشكل خطاب «الحزب» أحد الخطابات الأكثر رسوخاً في لبنان، ليس فقط لأنه مدعوم بالقوة العسكرية، بل أيضاً لأنه نجح في بناء شرعية أخلاقية لدى شريحة من اللبنانيين، تقوم على ثلاث ركائز: حماية البلاد من إسرائيل، وتعويض ضعف الدولة، والانتماء إلى محور يوفر التوازن الإقليمي. ولا يمكن لأي خطاب سيادي أن يكون منيعاً ما لم يعترف أولاً بهذا المنطق. وفي مراحل معينة، خاصة بعد حرب 2006، بدا الحزب وكأنه الضامن الوحيد لقدرة الردع الإسرائيلية، في ظل الدولة العاجزة. كما أن الشعور العميق لدى شريحة كبيرة من الطائفة الشيعية بالخوف من التهميش، جعل من السلاح أكثر من مجرد أداة عسكرية، بل ضمانة وجودية.
لكن هذا المنطق نفسه وصل إلى طريق مسدود. فالسلاح الذي تم تقديمه كأداة حماية، أصبح بوابة لحروب دورية تنهك المجتمع. فالارتباط بمحور إقليمي، الذي تم تقديمه كقوة، أصبح قيداً يربط لبنان بصراعات لا يملك سلطة حسمها. أما ضعف الدولة فلم يتم التطرق إليه، بل تم تعميقه من خلال ترسيخ نموذج «الشرعيتين»: شرعية الدولة وشرعية المقاومة. ومع مرور الوقت، طغى الثاني على الأول، مما أدى إلى تآكل مفهوم الدولة نفسها.
وهنا يتدخل كلام عون لا لإنكار هذا التاريخ، بل لتجاوزه: من خلال تقديم المعادلة المعاكسة التي تقول إن الدولة القوية وحدها هي القادرة على حماية الجميع، وأن استمرار الازدواجية لم يعد ضماناً، بل خطراً.
السيادة كشرط للتحرر
وفي مضمون الخطاب تبرز فكرة مركزية: لا يمكن تحرير الأرض من الاحتلال إذا لم يتحرر القرار من الهيمنة. تقلب هذه المعادلة منطقاً سياسياً قائماً منذ زمن طويل، وكان يربط التحرير بالانخراط في محاور إقليمية. إن الإشارة الضمنية إلى الهيمنة الإيرانية لا تأتي هنا في سياق المواجهة الأيديولوجية، بل كجزء من تعريف المصلحة الوطنية. والدولة، لكي تكون فعالة، يجب أن تكون مستقلة في قرارها. وهذا الاستقلال ليس شعارا، بل هو شرط عملي لأي سياسة خارجية متوازنة.
وبهذا المعنى، يعيد الخطاب لبنان إلى وضعه الطبيعي: دولة ضمن بيئة عربية ونظام دولي، من دون ساحة لتصفية الحسابات.
من ثقافة الموت إلى سياسة الحياة
كلام عون يتجاوز السياسة إلى عمق البنية الاجتماعية. لبنان، على مدى عقود، لم يشهد أزمات سياسية فحسب، بل تشكلت ثقافة بأكملها حول “التعايش مع الحرب”. اقتصاد قائم على الأزمات، ومجتمع اعتاد الخسارة، وخطاب يمجد التضحية مهما كانت جدواها.
ولم تعد «ثقافة الموت» هذه مجرد نتيجة للصراعات، بل أصبحت إطارًا يبرر استمرارها. وهنا تكمن أهمية الاقتراح الذي قدمه عون: نقل السياسة من منطق التضحية إلى منطق الحياة، ومن تمجيد الصمود إلى بناء الرخاء.
وهذا التحول، إذا تحقق، لن يكون سياسياً فحسب، بل سيكون أيضاً اجتماعياً بعمق، لأنه يعيد تعريف معنى الوطنية ذاتها.
ماذا يأتي بعد الكلام؟ سيناريوهات مفتوحة
ويبقى السؤال الحاسم: ماذا بعد هذه اللحظة؟ ويمكن تصور ثلاثة مسارات:
مسار الترميم التدريجي: ينجح الخطاب في خلق ديناميكية داخلية وخارجية تدعم مشروع الدولة، مما يؤدي إلى إعادة بناء المؤسسات وتقليل الازدواجية واستعادة الثقة.
مسار الصراع والتمزق: تواجه هذه الرؤية مقاومة من القوى المتضررة، مما يؤدي إلى شلل سياسي وربما توترات أمنية، مما يبقي لبنان في حالة من الإرهاق المفتوح.
مسار التسوية المؤقتة: إعادة إنتاج توازن هش يخفف التوتر دون حل جذري، مما يعني استمرار الأزمة بأشكال أقل حدة.
التاريخ لا يُكتب من داخل مناطق الراحة. يواجه لبنان اليوم، بعد عقود من القهر، لحظة نادرة: فإما أن يعيد تعريف نفسه كدولة، أو أن يستمر كساحة. بين هذين الخيارين، لا يبدو كلام عون مجرد موقف، بل محاولة أخيرة لإنقاذ معنى لبنان نفسه.
مسؤولية النخب: من القول إلى الفعل
لكن أي تحول من هذا النوع لا يمكن اختزاله في إرادة القوة وحدها. إن خطاب رئيس الجمهورية، مهما كان واضحا وجرئا، يبقى إطارا يحتاج إلى عوامل اجتماعية وسياسية لتحقيقه. وهنا تبرز مسؤولية النخب السياسية والثقافية والاقتصادية اللبنانية في ترجمة هذه اللحظة إلى مشروع فعلي. ولا يكفي أن تستعيد الدولة خطابها السيادي، إلا إذا استعادته أيضاً الفئات التي اعتادت التكيف مع منطق التنازلات والازدواجية.
إن الدول لا تنهض فقط عندما تتخذ قراراً، بل عندما يصبح هذا القرار ثقافة عامة، ومصلحة مشتركة، وخياراً مجتمعياً واعياً. وبهذا المعنى فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مواجهة موازين القوى فحسب، بل في كسر العادات السياسية التي جعلت من الأزمة نمطاً دائماً، والتكيف معها بدلاً من تغييرها.
أيمن الجزيني
#من #الساحة #إلى #الدولة #عون #يتحدى #الواقع #اللبناني
من الساحة إلى الدولة: عون يتحدى الواقع اللبناني
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – من الساحة إلى الدولة: عون يتحدى الواقع اللبناني
المصدر : www.elsharkonline.com
