.

اراء و اقلام الدستور – رداً على تصريحات علي أكبر ولايتي: لبنان ليس ورقة إيرانية

سامر الشخشير23 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – رداً على تصريحات علي أكبر ولايتي: لبنان ليس ورقة إيرانية


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

التصريحات المنسوبة لعلي أكبر ولايتي بشأن الحكومة اللبنانية والرئيس الشهيد رفيق الحريري ليست مجرد زلة لسان سياسية أو قراءة متحيزة للشأن اللبناني. بل هي تعبير فج عن عقلية الوصاية التي لم تتخلص منها بعض دوائر القرار في طهران، والتي لا تزال تنظر إلى لبنان على أنه ساحة نفوذ مفتوحة، وليس دولة مستقلة ذات سيادة وسلطة دستورية. ومن هنا فإن الرد على هذا الكلام لا ينبغي أن يقتصر على الإدانة الأخلاقية، على الرغم من أهميته، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى المواجهة الفكرية والسياسية، لأن ما قيل يمس جوهر الكيان اللبناني، ويستهدف بشكل مباشر حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم بعيدا عن الإملاءات الخارجية.

وعندما يقال للبنانيين، بشكل مباشر أو غير مباشر، إن استمرار حكومتهم في نهج المواجهة مع حزب الله سيتخلى عنه الشعب، لم يعد الأمر خلافاً في الحكم السياسي، بل يتحول إلى محاولة ابتزاز مكشوفة من قبل الدولة اللبنانية. ذلك أن أي حديث من هذا النوع يفترض ضمناً أن شرعية الحكومات في لبنان لا تستمد من الدستور والمؤسسات والتمثيل الشعبي، بل من الحدود التي تسمح لها القوات المسلحة بتحركها. وهذه على وجه التحديد هي المشكلة التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم: ارتباك في مفهوم الدولة، وازدواجية السلطة، والارتباك المستمر بين ما هو شرعي وما يفرض بالقوة.

أما استهداف الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حتى بعد مرور سنوات طويلة على اغتياله، فهو ليس قضية عابرة في الخطاب الإيراني. بل إنه يعكس الانزعاج المستمر من كل مشروع لبناني يسعى إلى استعادة مكانة الدولة ومكانة لبنان العربية وعلاقاته الطبيعية مع محيطه والعالم. لم يكن الرئيس الحريري مجرد رئيس حكومة يتولى إدارة الشأن العام في مرحلة معينة، بل كان عنواناً لمشروع وطني متكامل: مشروع إعادة الإعمار، وترميم المؤسسات، وترسيخ فكرة أن لبنان لا يمكن أن يوجد إلا في التوازن، ولا يمكن أن يتقدم إلا من خلال الدولة، ولا يمكن أن تحكمه إلا الشراكة الوطنية والانفتاح العربي والدولي. ولذلك فإن الهجوم عليه، في هذا الوقت بالذات، ما هو إلا إدانة متأخرة لمشروعه من قبل من رأوا فيه تهديداً لمنطق الدويلة، ولتحويل لبنان إلى ساحة مرتبطة بمحاور المنطقة.

ومن هذه الزاوية، فإن استهداف مسار الشهيد رفيق الحريري، يستهدف أيضاً كل من واصل هذا الخط السياسي، وفي مقدمته نجله الرئيس سعد الحريري، الذي مثل، رغم كل الصعوبات والتنازلات والتعقيدات، رمز تيار الاعتدال الوطني اللبناني والعربي. تيار المستقبل، مهما تباينت الآراء حوله واختلفت التقييمات لأدائه، بقي ثابتاً على نقطة أساسية: رفض جر لبنان إلى مشاريع الفتنة، ورفض تسليم قراره الوطني للأجندات الخارجية، والتمسك بمنطق الدولة في مواجهة منطق السلاح خارج سلطتها. ومن الظلم الفادح، بل وقلب الحقائق رأساً على عقب، تحميل هذا المسار السياسي مسؤولية ما آلت إليه البلاد، في حين أن الأزمة الفعلية تكمن في تكريس قوة عسكرية موازية للدولة، وفي إبقاء قرار السلم والحرب خارج المؤسسات الشرعية.

تكشف تصريحات ولايتي، مرة أخرى، أن بعض أركان السياسة الإيرانية لم يفهموا بعد أن لبنان ليس «ورقة» في سوق المفاوضات الإقليمية، وليس منصة ضغط تستخدم كلما احتاجت طهران إلى تحسين أوضاعها في ملف هنا أو هناك. إن التعامل مع لبنان بهذا المنطق هو ما دمر جزءاً كبيراً من حياته السياسية، وأنهك اقتصاده، وأنهك مؤسساته، ودفع شعبه ثمناً باهظاً من أجل أمنه واستقراره ومستقبله. والأدهى من ذلك أنها عمّقت الشرخ الداخلي، لأن أي مكون لبناني، وبحق، يشعر بالقلق عندما يرى بلده يدار وفق منطق الوكالة، وليس منطق السيادة.

ولذلك فإن ما يثيره هذا الخطاب الإيراني ليس فقط الاستياء السياسي، بل الرفض الوطني العميق. ولبنان الذي قاوم الاحتلال والوصايات، وخرج من تجارب مريرة من أجل استعادة قراره الوطني، لا يستطيع أن يقبل اليوم أن تتم مخاطبته بلغة التهديد والتحذير أو الاستخفاف بأهمية مؤسساته الدستورية. لا يحق لأي مسؤول خارجي، كائناً كان، أن يحدد للبنانيين كيفية إدارة حكومتهم، ولا أن يضع لهم سقوفاً على ما يجوز وما لا يجوز في إدارة شؤونهم الداخلية. هذه أبسط قواعد العلاقات بين الدول، وأي خروج عنها هو اعتداء سياسي موصوف على السيادة اللبنانية.

ثم تغير العالم، وتغيرت البيئة الإقليمية نفسها. وما كان ممكنا قبل عقدين من الزمن لم يعد ممكنا اليوم. ولم تعد فكرة التنظيمات المسلحة خارج إطار الدولة تحظى بالقبول الذي كانت تتمتع به في السابق، لا دوليا ولا عربيا، ولا حتى في كثير من البيئات الداخلية. هناك إدراك متزايد بأن إبقاء السلاح خارج النظام القانوني لا يحمي الوطن، بل يعطله. فهو لا يحمي المجتمعات، بل يجعلها رهينة لحسابات لا تشبه مصالحها. ومن هنا، فإن كل محاولة لتخويف اللبنانيين من خيار الدولة، أو وصم الحكومة بالفشل لأنها متمسكة بسلطتها الدستورية، ليست أكثر من هروب من الحقيقة الأساسية: لا مستقبل لأي بلد دون سلطة واحدة، وجيش واحد، وقرار وطني واحد.

في هذا السياق، تبدو حكومة الرئيس نواف سلام أمام اختبار تاريخي، ليس فقط لأنها تواجه خصوماً سياسيين، بل أيضاً لأنها تمثل، في هذه المرحلة، فرصة لإعادة ترسيخ البديهيات التي طالما وقعت تحت ضغط السلاح والتسويات المفروضة. إن الإصرار على حصرية السلاح بيد الدولة، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، واحتكارها لقرارات السلام والحرب، ليس موقفا استفزازيا ضد أحد، بل هو التعريف الطبيعي لأي دولة تريد البقاء. كما أن العودة الصريحة إلى الدستور واتفاق الطائف ليست شعاراً للاستهلاك السياسي، بل هي الطريق الإلزامي لإنقاذ لبنان من انهيار طويل الأمد في الشرعية والمؤسسات والهوية الوطنية الموحدة.

وإذا كان في كلام ولايتي ما يستحق التوقف عنده، فهو أنه كشف، شاء أم أبى، عمق الضائقة الإيرانية إزاء أي محاولة لبنانية جادة لاستعادة القرار السيادي. وهذا وحده يكفي لتفسير مهاجمة كل طريق يدعو إلى إقامة الدولة، ولماذا تستفز طهران كلما سمعت خطابا لبنانيا يقول ببساطة: كفى وصاية، كفى استخدام لبنان ساحة للصراعات، وكفى استخفافا بدماء اللبنانيين ومصالحهم ومستقبلهم.

الرد الحقيقي على هذه الإهانة لا يكون عبر الجدل العاطفي وحده، بل عبر إرساء معادلة سياسية ووطنية واضحة: لبنان أولاً، الدولة أولاً، والدستور أولاً. وما عدا ذلك فهو ليس إلا وصفة مفتوحة للفوضى والتبعية والانقسام. لذلك فإن الموقف الوطني الصحيح اليوم هو الوقوف خلف مؤسسات الدولة وتحصين الحكومة في خياراتها السيادية والتمسك باتفاق الطائف ورفض أي منطق يسعى إلى إعادة لبنان إلى عهد الساحات المباحة.

لبنان ليس مضيقاً إيرانياً على البحر الأبيض المتوسط، ولا هو ورقة تفاوض، ولا هو جبهة متقدمة لأي مشروع خارجي. لبنان هو الوطن النهائي لأبنائه، ودولته وحدها صاحبة القرار. وأي تصريح غير ذلك، مهما علا، يبقى مرفوضا ومدانا، ويثير الازدراء السياسي والأخلاقي.

د. ابراهيم العرب

#ردا #على #تصريحات #علي #أكبر #ولايتي #لبنان #ليس #ورقة #إيرانية

رداً على تصريحات علي أكبر ولايتي: لبنان ليس ورقة إيرانية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – رداً على تصريحات علي أكبر ولايتي: لبنان ليس ورقة إيرانية

المصدر : www.elsharkonline.com

.