دستور نيوز
محمد موسى
الاثنين 20 أبريل 2026 – 11:14
المصدر: صوت لبنان
تشهد البيئة الدولية في المرحلة الراهنة تحولا بنيويا عميقا يتجاوز منطق الأزمات الظرفية إلى إعادة صياغة قواعد النظام العالمي نفسه. إن التوترات الممتدة من لبنان إلى الصين، مروراً بمضيق هرمز، وتباين المواقف داخل المعسكر الغربي، ما هي إلا تجليات سطحية لصراع أعمق يتمحور حول السيطرة على الاقتصاد العالمي وممراته الحيوية. وفي هذا السياق، لم تعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران حدثاً منعزلاً، بل أصبحت جزءاً من معادلة استراتيجية أوسع تتقاطع فيها الحرب الاقتصادية الأميركية الصينية مع إعادة توزيع الأدوار الإقليمية في الشرق الأوسط. دخلت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين مرحلة متقدمة في إعادة هندسة التجارة العالمية.
ولم تكن تدابير الحماية الأميركية، التي رفعت متوسط الرسوم الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة منذ قرن من الزمان، مجرد أدوات للضغط الاقتصادي، بل شكلت آلية لإعادة توجيه سلاسل التوريد وإعادة توزيع مراكز الإنتاج. وقد أدت هذه السياسات إلى تحويل مئات المليارات من الدولارات عن مساراتها التقليدية، وإلى تراجع كبير في حجم التبادل المباشر بين القوتين، مقابل ظهور مسارات بديلة تربط الصين بأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. من ناحية أخرى، عملت بكين على إنشاء هيكل مواز للنظام الاقتصادي العالمي من خلال توسيع مبادرة “الحزام والطريق” وتعزيز استخدام عملتها الوطنية في التجارة الدولية، في جهد تدريجي لتقويض الهيمنة التاريخية للدولار. وفي هذا الإطار، يكتسب مضيق هرمز أهمية ليس كسبب للصراع، بل كأداة داخله. وأصبح المضيق، الذي يمر عبره ما يقرب من خمس تجارة النفط العالمية، بمثابة ورقة ضغط في معادلة أوسع تتعلق بإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن تعطيل هذا الممر يؤدي على الفور إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط وتعطيل سلاسل التوريد العالمية، مما يؤثر على الاقتصاد الدولي برمته. لكن الأهم هو أن هذه الاضطرابات يتم استغلالها استراتيجيا، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز مكانتها كمصدر بديل للطاقة، بينما تعمل الصين على تسريع البحث عن مسارات بديلة تقلل من تعرضها للاختناقات الجيوسياسية. في موازاة ذلك، تكشف مواقف الدول الغربية عن انقسام متزايد داخل بنية التحالفات التقليدية. ويعكس التناقض الأوروبي فيما يتعلق بالسياسات الأميركية، سواء فيما يتعلق بالعقوبات أو المواجهات العسكرية، إدراكاً متزايداً بأن تكلفة الانخراط في الاستراتيجية الأميركية لم تعد مضمونة العودة. وينطبق هذا أيضاً على كندا، التي، على الرغم من موقعها كحليف استراتيجي، تجد نفسها متأثرة بشكل مباشر بالسياسات التجارية الحمائية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحذير الذي عبر عنه مارك كارني عندما أشار إلى أن الدول “إذا لم تكن على طاولة المفاوضات، فإنها ستكون على القائمة”، وهي العبارة التي تلخص تحولا جوهريا في طبيعة النظام الدولي. ولم تعد المواءمة التقليدية كافية لضمان المصالح. بل إن الحضور الفاعل في صياغة القواعد أصبح شرطاً أساسياً لتجنب التهميش أو الاستغلال. ويتخذ هذا التحذير دلالات أعمق في ظل التحولات الجارية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتم إعادة تحديد أدوار القوى الإقليمية ضمن ما يمكن وصفه بالنظام «الوظيفي» الجديد. ولم تعد إيران مجرد خصم إقليمي، بل تحولت إلى عقدة مركزية في معادلة الطاقة والممرات، وشريك استراتيجي للصين في مواجهة الضغوط الغربية. ومن ناحية أخرى، تسعى دول الخليج إلى تحقيق توازن دقيق بين دورها كمصدر رئيسي للطاقة وحاجتها إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية. أما تركيا، فقد عززت مكانتها كلاعب وسيط مع هامش استقلال متزايد، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين الشرق والغرب، في حين تكتسب سوريا أهمية متزايدة كممر جغرافي محتمل ضمن شبكات النقل البري المستقبلية.
وفي قلب هذه التحولات، تحاول إسرائيل استغلال الصراع لتعزيز موقعها الإقليمي، سواء من خلال توسيع نفوذها الأمني أو من خلال السعي إلى فرض حقائق جيوسياسية جديدة. لكن هذا المسار يصطدم بتناقض بنيوي يتمثل في صراعه مع منطق الاقتصاد العالمي الجديد القائم على الاستقرار والتكامل، فالتصعيد المستمر لا يهدد الخصوم فحسب، بل ينعكس أيضا على مصالح الحلفاء ويقوض البيئة اللازمة لتنفيذ مشاريع الطاقة والبنية التحتية العابرة للحدود.
وفي سياق دعم هذا التحليل بمؤشرات كمية تعكس الترابط العضوي بين الجيوسياسية والتحولات الاقتصادية، تظهر بوضوح حركة الأسواق العالمية خلال المرحلة الأخيرة، إذ ارتفعت أسعار النفط ممثلة بنفط خام برنت من متوسط 75 دولارا تقريبا للبرميل إلى نطاق يتراوح بين 105 دولارات و115 دولارا خلال فترات التوتر المرتبطة بمضيق هرمز، أي ارتفاعا بنحو 40-50%، فيما سجلت أسعار الغاز الطبيعي المسال ارتفاعات. بأكثر من 30% في الأسواق الآسيوية، وهو ما يعكس… هشاشة أمن الطاقة العالمي في مواجهة أي اضطراب في الممرات الحيوية. في موازاة ذلك، حقق الذهب مستويات تاريخية قرب 4500 دولار للأونصة، مدفوعا بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وزيادة طلب البنوك المركزية عليه كأداة تحوط، مع تزايد التوقعات بوصوله إلى نطاقات أعلى قد تلامس 5600 دولار إذا استمرت الضغوط على النظام المالي الدولي، في حين تظل السيناريوهات التي تضعه عند مستويات أعلى بكثير ضمن فرضيات استثنائية غير مرجحة على المدى القريب. وعلى صعيد النقل والتجارة، ارتفعت تكلفة حاويات الشحن بين آسيا وأوروبا بما يتراوح بين 60 و120% مقارنة بمتوسطات ما قبل الأزمة، في حين تضاعفت أقساط التأمين البحري على السفن التي تعبر ممرات عالية المخاطر أكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما يعكس إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل مباشر في تكلفة التجارة العالمية. وانعكست هذه الضغوط في معدلات التضخم التي استقرت في حدود 5-7% في الاقتصادات المتقدمة وتجاوزت 10% في العديد من الأسواق الناشئة، مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، في وقت بلغ فيه الدين العالمي مستويات قياسية تجاوزت 315 تريليون دولار، أو أكثر من 330% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يحد من قدرة الحكومات على استيعاب الصدمات ويجعل الاقتصاد الدولي أكثر حساسية لأي اضطراب. إن تقارب هذه المؤشرات – من الطاقة إلى الذهب، ومن الشحن إلى التضخم والديون – لا يقدم دليلا عدديا على عمق الأزمة فحسب، بل يؤكد أيضا أن التوترات الجيوسياسية لم تعد أحداثا عابرة، بل أصبحت عاملا بنيويا يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وقد تجلى ذلك بوضوح في اجتماعات الربيع في واشنطن.
في موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية، ليس بالمعنى التقليدي لتراجع القوة، بل لجهة تراجع القدرة على فرض قواعد اللعبة من جانب واحد. إن الاستخدام المتكرر للأدوات المالية، وخاصة الدولار، كوسيلة للضغط، دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل، سواء بتنويع احتياطياتها أو باعتماد عملات أخرى في التبادل التجاري، وهو ما يسرع تدريجيا إعادة هيكلة النظام المالي العالمي.
في ضوء ما سبق، يبدو واضحاً أن العالم يتجه نحو مرحلة تعاد فيها صياغة التحالفات وفق منطق جديد، تكون فيه الطاقة والممرات الدولية العامل الحاسم. ولم يعد الصراع يدور حول السيطرة العسكرية المباشرة، بل يدور حول السيطرة على التجارة والطاقة وتدفقات البيانات. وفي هذا السياق، يصبح تحذير كارني أساساً تفسيرياً لفهم سلوك الدول: فالمشاركة في تشكيل النظام الجديد لم تعد خياراً، بل أصبحت ضرورة وجودية لتجنب الوقوع في موقف تلقي القرارات.
وعليه فإن المرحلة المقبلة ستشهد تنافساً بين نموذجين متناقضين: نموذج يقوم على الصراعات المفتوحة واستخدام القوة الصلبة، ونموذج يسعى إلى بناء شبكات التكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة. لكن المؤشرات الحالية تشير إلى أن تكلفة الصراعات أصبحت أكبر من قدرتها على تحقيق مكاسب مستدامة، وأن الضغوط الاقتصادية ستدفع تدريجيا إلى تغليب منطق التعاون. وخريطة التحالفات الجديدة لن ترسمها الحروب بقدر ما سترسمها خطوط الطاقة والممرات الاقتصادية. وفي عالم يتسارع فيه التغيير، فإن ما يصلح اليوم لم يعد صالحا للغد، ولم تعد الهيمنة الأحادية قادرة على الاستمرار من دون تكاليف باهظة. ولذلك فإن الاتجاه العام، رغم الضجيج الحالي، يميل نحو الانتقال التدريجي من منطق الصراع إلى منطق التنمية، حيث تدرك الدول أن القفز من قارب الصراعات إلى قارب الاستقرار لم يعد ترفاً سياسياً، بل شرط البقاء في النظام الدولي الجديد.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#تشكيل #النظام #الدولي #الجديد #بين #اقتصاد #الممر #وصراع #القوى #العظمى #صوت #لبنان #صوت #لبنان
تشكيل النظام الدولي الجديد بين اقتصاد الممر وصراع القوى العظمى؟! – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – تشكيل النظام الدولي الجديد بين اقتصاد الممر وصراع القوى العظمى؟! – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
