.

عالم الأسرة – تواجه المرأة السورية الاقتصاد الصعب بمهن غير تقليدية

اخبار الأسره13 أبريل 2026
عالم الأسرة – تواجه المرأة السورية الاقتصاد الصعب بمهن غير تقليدية


دستور نيوز

عنب بلدي – محمد ديب بزت

في حي باب الفرج وسط حلب، على رصيف مزدحم بالمارة والسيارات، تقف نور وآية خلف «كشك» صغير مجهز بآلة «إسبريسو»، تحضران فناجين القهوة على عجل.

يبدو المشهد عاديا في مدينة استعادت حركتها اليومية، لكنه يتضمن في تفاصيله قصة عمل شاق ومسؤوليات جسيمة دفعت شابتين إلى مهنة لم تكن أبدا من بين خياراتهما.

ومن الساعة السادسة والنصف صباحاً حتى العاشرة مساءً، تقف الفتاتان في مساحة ضيقة لا تتجاوز بضعة أمتار، تنظمان الطلبات، وتتعاملان مع الزبائن، وتستمران في العمل لساعات طويلة تحت ضغط ونظرة الشارع. وأصبح “المحل” الصغير مصدر رزقهم الأساسي، ووسيلة عيشهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها سنوات الحرب وما أحدثته من تغيرات في سوق العمل والأدوار العائلية.

أعمال متعددة

العمل في كشك “إكسبريس”، كما يسميه أهل حلب، لم يكن الخيار الأول لنور وآية، حيث تنقلتا بين وظائف مختلفة في محاولة لتأمين دخل يومي. وعملوا في السنوات السابقة في «كشك سريع» لبيع البقدونس والخضار في منطقة باب جنين، قبل أن ينتقلوا إلى عملهم الحالي، في تجربة تعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في المدينة، حيث لم يعد العمل مرتبطاً بالتخصص أو الشهادة، بل بقدرة الشخص على إيجاد أي فرصة توفر الحد الأدنى من الدخل.

وجاء هذا الحراك نتيجة مباشرة لغياب فرص العمل المستقرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع قدرة الأسرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، مما دفع العديد من الشابات إلى العمل في مهن بسيطة أو غير تقليدية.

مسؤوليات ثقيلة

وجدت نور، خريجة كلية الاقتصاد بجامعة حلب عام 2016، نفسها مجبرة على دخول سوق العمل من خلال مهن بسيطة، بعد أن فقدت الأمل في الحصول على عمل يتناسب مع شهادتها، إذ قلصت الحرب وما تبعها من الانهيار الاقتصادي فرص العمل، فيما أصبحت الأجور في القطاعين العام والخاص غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية.

إضافة إلى ذلك، تتحمل نور مسؤولية إعالة أسرتها، خاصة أن لديها أختاً تعاني من مرض التصلب الدماغي، وهو المرض الذي يتطلب متابعة طبية مستمرة ومصاريف إضافية، مما جعل العمل ضرورة يومية لها ولأسرتها.

يبدأ يومها مبكرًا بتجهيز ماكينة الإسبريسو وتنظيم المواد، ثم استقبال العملاء الذين يأتون بشكل متقطع على مدار اليوم. وتروي نور خلال حديثها لعنب بلدي أن المساحة المحدودة وساعات العمل الطويلة والوقوف المستمر كلها تفاصيل أصبحت جزءًا من حياتها اليومية، لكنها ترى في العمل وسيلة للبقاء وتحقيق الاستقلال.

وقالت نور إن العمل في الشارع لم يكن سهلا في البداية، خاصة مع نظرة المجتمع لعمل المرأة في الأماكن العامة، لكن مع الوقت استطاعت التكيف وأصبحت أكثر قدرة على التعامل مع العملاء والضغوط اليومية، معتبرة أن الحاجة الاقتصادية أجبرتها على الاستمرار رغم الصعوبات.

دعم الأشقاء وتأمين الإيجار

وتواجه آية ظروفاً مماثلة، إذ تتحمل مسؤولية إعالة إخوتها ودفع إيجار المنزل في حي الميسر، ما جعل العمل في «كشك الإسبريسو» خياراً ضرورياً لتأمين دخل يومي مستقر نسبياً.

تبدأ يومها في نفس الوقت تقريبًا وتستمر حتى المساء، وتقوم بأعمال تتطلب مجهودًا بدنيًا ونفسيًا كبيرًا، خاصة مع التعامل الدائم مع العملاء والشارع. ضيق المساحة والازدحام يضيف ضغطاً إضافياً، لكن الحاجة إلى تأمين مصاريف المنزل تجعل الاستمرار ضرورة.

العمل في الشارع، بحسب آية، علمها الصبر والقدرة على إدارة الوقت والتعامل مع الناس والاعتماد على النفس، لكنها أشارت إلى أن التحدي الأكبر يبقى النظرة الاجتماعية والتحرش الذي قد تواجهه النساء العاملات في الأماكن العامة.

مفارز الحرب

وتنتشر قصة نور وآية في سوريا، حيث دفعت سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وغياب المعيل في العديد من الأسر أعدادا متزايدة من النساء إلى دخول سوق العمل في مهن لم تكن مألوفة من قبل، مثل العمل في “دكان صغير”، أو كما حدث مع الشابتين.

فقدان المعيل خلال الحرب، أو تراجع دخل الأسرة، وارتفاع الإيجارات، وارتفاع تكلفة المعيشة، كلها عوامل ساهمت في تغيير طبيعة عمل المرأة، حيث أصبحت المرأة أكثر حضورا في “الأكشاك” والمتاجر وشركات الخدمات.

ولم يعد العمل خيارا مرتبطا بالاستقلال فقط، بل تحول أيضا إلى وسيلة للبقاء على قيد الحياة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة اليومية، الأمر الذي جعل العديد من النساء يتحملن مسؤوليات كانت تقع في السابق على عاتق الرجل.

تحديات النظرة المجتمعية

ورغم تزايد حضور المرأة في سوق العمل، إلا أن التصورات المجتمعية لا تزال تشكل ضغوطا إضافية على العاملين في الشوارع، خاصة في المهن التي تتطلب التعامل المباشر مع العملاء.

تواجه بعض النساء تعليقات أو نظرات انتقادية، وتضطر إلى التكيف مع هذه البيئة للحفاظ على مصدر دخلها. ويشكل هذا التحدي الاجتماعي جزءا من الضغوط النفسية اليومية ويجعل العمل أكثر صعوبة من الناحية الأخلاقية.

وفي الوقت نفسه، بدأ المجتمع تدريجياً يتقبل النساء العاملات في المهن غير التقليدية، خاصة مع تحقق الظروف الاقتصادية التي دفعت العديد منهن إلى العمل، مما خلق نوعاً من التوازن بين الحاجة الاقتصادية والنظرة الاجتماعية.

التحرش والتحرش

وقالت نور إن العمل في الشارع يعرض المرأة لتحديات إضافية أبرزها التحرش أو التحرش اللفظي، وهي مشكلة تواجه الكثير من العاملات في الأماكن العامة، خاصة في البيئات غير المنظمة.

تفضل العديد من النساء التزام الصمت أو تجاهل هذه التصرفات خوفا من فقدان وظيفتهن أو التعرض لمشاكل إضافية، في ظل غياب آليات حماية واضحة أو قوانين تطبق بشكل فعال.

ولا تبدو قصة نور وآية بعيدة عن المؤشرات العامة لعمل المرأة في سوريا، حيث تشير البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية والحقوقية إلى توجه المرأة إلى القطاعات الخدمية أو الوظائف غير المستقرة، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع التحديات الاقتصادية، وهو ما يعكس مدى الضغوط التي تدفع المرأة للعمل في المهن اليومية لتأمين متطلباتها المعيشية.

وهذا الواقع يجعل العمل في الشارع أكثر تعقيداً، إذ لا يقتصر التحدي على المجهود البدني أو ساعات العمل الطويلة، بل يشمل أيضاً التعامل مع بيئة قد تكون غير آمنة نفسياً.

العمل كوسيلة للبقاء

في ظل هذه الظروف، يصبح العمل بالنسبة لنور وآية، وغيرهما من النساء، وسيلة للحفاظ على الاستقرار المعيشي وتأمين احتياجات الأسرة.

كل يوم عمل، وكل ساعة تقف فيها خلف الكشك، تعني قدرة أكبر على دفع الإيجار أو شراء الطعام أو تأمين الدواء، ما يجعل الاستمرار ضرورة رغم الصعوبات.

العمل في كشك صغير على رصيف مزدحم يعكس تحولات عميقة في المجتمع، حيث أصبحت المرأة جزءا أساسيا من معركة البقاء الاقتصادي.

تجربة نور وآية تعكس جزءاً بسيطاً من واقع آلاف النساء السوريات اللاتي اضطررن للعمل في ظل ظروف صعبة وغير مألوفة، لضمان استمرار أسرهن في مواجهة تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي.

وعلى الرغم من التحديات اليومية، بما في ذلك ساعات العمل الطويلة والضغوط المجتمعية، تواصل المرأة أداء أدوارها الاقتصادية والاجتماعية، وتساهم بصمت في تعزيز قدرة الأسر والمجتمعات على الصمود.

ويؤكد هذا الواقع أن عمل المرأة في سوريا اليوم لا يقتصر على كونه مجرد وظيفة أو مصدر دخل، بل أصبح عنصراً أساسياً في إعادة بناء الحياة اليومية بعد سنوات الحرب، ما يجعل من قصصهن شهادة حية على مواجهة ظروف استثنائية.

#تواجه #المرأة #السورية #الاقتصاد #الصعب #بمهن #غير #تقليدية

تواجه المرأة السورية الاقتصاد الصعب بمهن غير تقليدية

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – تواجه المرأة السورية الاقتصاد الصعب بمهن غير تقليدية

المصدر : www.enabbaladi.net

.