دستور نيوز
عنب بلدي – أمير حقوق
لطالما كانت الدراما السورية إحدى أبرز وجهات الإنتاج الفني العربي، إذ نجحت على مدى عقود في تقديم نصوص عميقة ومتماسكة، عكست الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي بكل جرأة واحترافية.
وارتبط اسمها بالأعمال الخالدة التي خلقت ذاكرة جماعية لدى الجمهور العربي، ورفعت التوقعات من حيث الجودة والعرض. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات واضحة على مستوى النصوص الدرامية.
وفي تقرير سابق أعدته عنب بلدي، أشار النقاد الفنيون إلى أن دراما الموسم الرمضاني الماضي، رغم تنوعها ونجاح بعض أعمالها في العالم العربي، واجهت أزمة في النص الدرامي، ما يفتح باب النقاش حول أسباب هذا التراجع وإمكانية استعادة مكانتها السابقة.
“متقلبة” وبلا رؤية متكاملة
وفي ظل التغيرات التي طرأت على صناعة الدراما، يلاحظ أن النصوص الدرامية السورية اليوم تعيش حالة من التقلب. وبين المحاولات الجادة لتقديم محتوى مختلف، وأعمال أخرى تميل إلى التكرار والشمول، غالبا ما يظهر غياب واضح للرؤية المتكاملة.
وتشهد النصوص الدرامية السورية اليوم، بحسب الكاتب والسيناريست فادي حسين، حالة من التذبذب الواضح، مع محاولات جادة ومهمة، إلا أنها تحاصرها ظروف إنتاجية وتسويقية صعبة.
وقال حسين، في حديث إلى عنب بلدي، إن النصوص لم تعد تكتب بدافع القصة فقط، بل أصبحت بالتأكيد تكتب تحت ضغط السوق والمنصات وطلبات النجوم. لكن لا يزال هناك كتاب قادرون على تقديم أعمال تحمل روح المكان.
أما الكاتبة والسيناريست نادين خليل، في حديث إلى عنب بلدي، فاعتبرت أن النصوص الدرامية السورية تمر حاليًا بمرحلة انتقالية غير مستقرة، تتم فيها محاولات جادة ويمكن أن تكون مهمة، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى العمق إذا ما قورنت بالنصوص السابقة.
ولا يمكن إنكار أن هناك تجارب لافتة تحاول كسر النمط السائد وتقديم شيء مختلف، بحسب خليل، موضحا أن السبب ليس غياب الموهبة، بل البيئة الإنتاجية للنصوص.
غالباً ما تقيد شركات الإنتاج الكاتب بشروط تحد من قدرته التخيلية، أو تتداخل مع النص، أو يكون في عجلة من أمره للحاق بالموسم الرمضاني، وهذا يربك الكاتب.
نادين خليل
كاتب وكاتب سيناريو
الانتقادات ليست مطلقة
وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت أصوات النقاد والفنانين الذين عبروا عن قلقهم من تراجع مستوى الكتابة الدرامية.
وترى الكاتبة نادين خليل أن الانتقادات وإن كان فيها بعض الحقيقة، إلا أنها ليست مطلقة، والانتقادات ليست جديدة.
وقالت إن جزءا كبيرا من المشكلة سببه ضغط السوق وسرعة الإنتاج، مما يدفع الكاتب إلى تقديم نصوص تقليدية أو غير مكتملة، كما أن تغير الذوق العام ومنصات العرض فرض إيقاعا مختلفا عن ذي قبل، ولهذا السبب لم يتمكن الجميع من مواكبته بوعي.
وبررت تكرار الأفكار والاعتماد على القوالب الجاهزة بعدم توفر الوقت الكافي.
واتفق معها الكاتب فادي حسين في الرأي، معتبراً أن بعض هذه الانتقادات في محله، لكن تعميمها غير عادل، بحسب تعبيره، لافتاً إلى أن الضعف ليس في الكاتب فقط، بل في المنظومة برمتها. عندما يُطلب من الكاتب إكمال عمل ما بسرعة، أو تعديل النص بناءً على حسابات تسويقية أو “مزاج النجم”، فمن الطبيعي أن يتأثر البناء الدرامي.
كما أن غياب ورش التطوير الحقيقية، وضيق الوقت، وعدم الجرأة في العرض، كلها عوامل تجعل النص يبدو أضعف مما ينبغي. المشكلة ليست في غياب الموهبة، بل البيئة التي لا تحمي هذه الموهبة.
الوقت هو أبرز متطلبات النصوص
مع استمرار المقارنات بين الأعمال الحديثة والكلاسيكية، والانتقادات بأنها تفتقر إلى العمق، يطرح سؤال مهم حول العناصر المفقودة في النصوص الحالية، والتي جعلت الجمهور يشعر بأنها أقل جودة وتأثيرا.
قال الكاتب والسيناريست فادي حسين، إن ما ينقص في كتابة السيناريو هو الوقت، فالكتابة الجيدة تحتاج إلى النضج وليس التسرع. كما أنها تفتقد الصدق، وأن القصة مكتوبة من باب الحاجة إلى التعبير وليس من دافع تلبية موسم رمضان أو منصة معينة. كما يفتقر إلى العمل الجماعي، مثل ورش الكتابة والتطوير المستمر للنص قبل التنفيذ.
وذكر أن ما تفتقر إليه النصوص أيضا هو الجرأة في تناول القضايا الحقيقية بعمق بعيدا عن التكرار أو التزيين.
تفتقر النصوص الدرامية السورية إلى الوقت والصدق والعمل الجماعي والشجاعة في مقاربة القضايا الحقيقية.
فادي حسين
كاتب وكاتب سيناريو
أما السيناريست نادين خليل، فترى أن ما ينقص النصوص اليوم هو أن تكون مرتبطة بالناس وقضاياهم اليومية بشكل حقيقي، بعيداً عن «الاتجاهات».
وبحسب خليل، فإن النصوص والمسرحيات القديمة كتبت بشغف وليس من أجل التجارة أو اللحاق بالعرض.
إن الحاجة إلى النصوص الدرامية اليوم هي العودة إلى القضية الإنسانية قبل أي شيء آخر.
نادين خليل
كاتب وكاتب سيناريو
مطالب الموازنات ومشاريع تطوير النص
ويرى صناع الفن والنقاد أن نوعية النصوص لا يمكن فصلها عن بيئة الإنتاج الداعمة لها، إذ تلعب المؤسسات دورا محوريا في احتضان الكتاب وتوفير الظروف المناسبة للإبداع.
ولفتت الكاتبة نادين خليل إلى أن الجهات الفاعلة والمؤسسات الدرامية مطالبة بإعادة تأهيل النص باعتباره حجر الزاوية في العمل الدرامي.
واقترحت تخصيص ميزانيات حقيقية لكتابة النصوص وتطويرها بعيدا عن أي حسابات تجارية ضيقة، بالتوازي مع بناء شراكات مع منصات العرض الحديثة لفتح المجال لمزيد من التنوع في المحتوى.
أما الكاتب فادي حسين فيرى أن المطلوب أولا هو إعادة تأهيل النص كأساس أساسي لأي عمل درامي، وليس كمرحلة يمكن تخطيها أو تعديلها دون ضوابط، ويجب على جهات الإنتاج منح الكاتب الوقت الكافي وحماية نصه من التدخلات غير المهنية.
أما المؤسسات الحكومية، فمن المفترض أن تدعم مشاريع تطوير النص، وتفتح الباب أمام ورش الكتابة، وتخلق بيئة محفزة على التجريب والاختلاف، لأن الدراما القوية تبدأ باحترام الكاتب، فهو الذي يضع الأساس لكل ما يأتي بعده.
متعلق ب
#القصة #التي #غابت. #نصوص #درامية #سورية #تحت #ضغط #السوق #والنجومية
القصة التي غابت.. نصوص درامية سورية تحت ضغط السوق والنجومية
– الدستور نيوز
اخبار الفن – القصة التي غابت.. نصوص درامية سورية تحت ضغط السوق والنجومية
المصدر : www.enabbaladi.net
